فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ذكرنا في الحلقة الماضية أن القمّص زكريا بطرس كان يحاول أن يثبت أن آدم وحواء قد وقعا في الخطية عمدا، وعلى ذلك فكان لا بد من تطبيق العقوبة عليهما لأن الله عادل. ولكننا أثبتنا من الكتاب المقدس أن ما حدث يتنافى مع عدل الله تعالى، لأن من مقتضيات العدل أن تُوَقّع العقوبة كما جاءت في نص القانون، وكان نص القانون هو"يوم تأكل منها موتا تموت"، لذلك كان ينبغي أن يموت الإنسان دون أي زيادة إضافية في العقوبة. بينما يرى جناب القمّص، أن العدل الذي يفهمه هو، والذي تعلمه من كتابه المقدس، لا يمنع أن تُضاف عقوبات أخرى عند توقيع العقوبة رغم أنها لم تأت في نص القانون. وطبعا لو طبقنا هذه القاعدة القانونية التي يؤمن بها جناب القمّص في مجتمعاتنا المدنية وفي الاتفاقات بين الأفراد أو بين الدول، لتحوّل العالم إلى فوضى وظلم واستبداد ما بعده استبداد. فمثلا، إذا اتفقت مع عامل على أنه يؤدي لي مهمة معينة في خلال ثلاثة أيام مقابل مبلغ 500 جنيه، مع وجود شرط جزائي، وهو أنه إذا تأخر العامل في إنجاز العمل في المدة المتفق عليها تُوَقّع عليه غرامة تأخير بواقع 100 جنيه عن كل يوم تأخير. ثم نفترض أن العامل تأخر يومين، يكون من العدل خصم مبلغ 200 جنيه من المبلغ المتفق عليه. ولكن حسب عدل الكتاب المقدس، يحق لي أن أخصم منه 400 جنيه أو أكثر، وأن أقوم بضرب العامل ووضعه في السجن، وأن أذهب إلى بيته وأشعل فيه النار، وأجعل حياة زوجته وأولاده جحيما لا يطاق. فهل ترضى يا جناب القمّص أن يطبق أحد عليك مثل هذا العدل؟ وإذا كنت تستنكر هذا التصرف وترفضه، كما يستنكره كل إنسان عاقل، فكيف تسمح لنفسك أن تنسب مثل هذه التصرفات الحمقاء إلى الرب الإله الذي تؤمن به؟ وهل هناك شريعة في العالم تأمر بتطبيق هذا الظلم؟ إنك تتهم المسلمين بأنهم لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، أليس من الأولى بك يا جناب القمّص أن تتفكر قليلا فيما تؤمن به من أفكار عقيمة لا تصلح للتطبيق، ولا تليق بالعقلاء، ولا يجوز أن تُنسب للرب الحكيم؟
وكما حاول جناب القمّص أن ينسب وجود الموت إلى خطيئة آدم، لأنه ربما ظن أنه لا يصح لإله المحبة أن يميت مخلوقاته التي يحبها، فإنه حاول أيضا أن يقنعنا بأن الله لم يخلق الشيطان، وإنما خلق ملاكا، وجعله رئيسَ الملائكة، ولكن الكبرياء طغى عليه، فعاقبه الله بأن أنزله إلى الأرض، وهو الذي أوقع آدم في الخطية. وكأنه يقول إن الله ليس مسؤولا عن ضلال آدم وإنما الشيطان هو المسؤول. فإذا سألنا جناب القمّص من أين أتى بهذه المعلومات، نراه يقول إن هذا جاء في سفر إشعياء الإصحاح 14، وفي سفر حزقيال الإصحاح 28. ويستخدم جناب القمّص مواهبه المسرحية فيقرأ لنا من سفر إشعياء، ولا ينسى أن يُدخل تفسيراته بين الكلام، ولذلك وضعنا كلامه بين قوسين، فيقول:
"كيف سقطتِ من السماء يا زُهرةُ بنتَ الصبح (ده تشبيه عن رئيس الملائكة) ، كيف قُطعتَ إلى الأرض يا قاهرَ الأمم. وأنت قلتَ في قلبكَ أصعد إلى السماوات، أرفعُ كُرسيَّ فوق كواكب الله وأجلس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال. أصعدُ فوق مرتفعات السحاب (شوفي الحتة اللي جاية دي بقى) أصير مثل العليّ (كبرياء، عايز يبقى زي ربنا) . لكنكَ انحدرتَ إلى الهاوية إلى أسافل الجب".
بعد أن قرأ جناب القمّص هذا المقطع راح يسلينا مرة أخرى بمواهبه المسرحية بقراءة جزء آخر من سفر حزقيال في الإصحاح 28، لكي يثبت لنا أن الرب الإله لم يخلق الشيطان، وإنما خلق ملاكا وجعله رئيس الملائكة، ولكنه سقط فجعل من نفسه شيطانا. ونذهب إلى سفر إشعياء لنبحث عن النص الذي قرأه جناب القمّص فنجد أنه كان يتكلم عن ملك بابل، حيث يقول في نفس الإصحاح مخاطبا النبي إشعياء في عدد 3:
"ويكون في يومٍ يريحك الرب من تعبك ومن انزعاجك ومن العبودية القاسية التي استُعبدتَ بها. أنك تنطق بهذا الهجو على ملك بابل وتقول كيف باد الظالم بادت المُغَطْرِسَةُ. قد كسّر الرب عصا الأشرار قضيب المتسلطين. الضارب الشعوب بسخَطٍ ضربة بلا فتور المتسلط بغضب على الأمم باضطهاد بلا إمساك ... وهكذا إلى آخر الجزء الذي قرأه القمّص. وبعده في العدد 16 يقول:"الذين يرونك يتطلعون إليك، يتأملون فيك. أهذا هو الرجل الذي زلزل الأرض وزعزع الممالك. الذي جعل العالم كقفر وهدم مُدُنَه، الذي لم يُطلق أسراه إلى بيوتهم ... إلى آخره"."
فالحديث كله عن ملك بابل الظالم الذي استعبد شعب بني إسرائيل ولم يطلق الأسرى. ولكن جناب القمّص، والمفسرين الذين على شاكلته، يلوون كلمات النص ويطبقونها على الشيطان. هذا هو الأسلوب الذي كثيرا ما يتبعه جناب القمّص، وهذه هي آفة المسيحية التي يقدمها لنا جناب القمّص. تحريف مقاصد الكلمات ولوْي معانيها لفرض معنى معين يريدون أن يلبسوه لكلام الكتاب المقدس.