فهرس الكتاب

الصفحة 912 من 4557

ويذكرني هذا بحدوتة أم الخير، ولحضرات المشاهدين الذين لم يسمعوا من قبل عن أم الخير أقول إنه يُحكى أن كاتبا كان يكتب قصة، وبعد مرور بضعة قرون، تسربت هذه القصة إلى الكتب المقدسة، وأصبحت جزءا منها، ووصل ذلك الكتاب المقدس إلى أيدي شخصية ظريفة مثل شخصية القمّص زكريا بطرس، فراح يفسرها ليؤيد بها مفاهيم دينه، فماذا فعل؟ كانت القصة كالتالي: ذهب الأب وابنته أم الخير إلى السوق لشراء بعض الأغراض، وأثناء العودة قال الأب لابنته: يا أم الخير احملي كيس البصل، فحملته إلى أن وصلا إلى الحظيرة، فقال لها ضعي البصل في الحظيرة". وانتهت القصة، فماذا يفعل بها ذلك الظريف ظُرف جناب القمّص، يقرأها بأسلوب مسرحي، ثم يقول الأب ده يعني الله الآب، وأم الخير يعني مريم أم الإله، لأن يسوع هو منبع الخير، فأم الخير تبقى مريم، فالآب قال لمريم احملي يسوع، فكيس البصل يعني يسوع، مش البصل فيه حياة، وهو طعام حين يأكله الإنسان ينال الحياة، كذلك حين يأكل الإنسان جسد يسوع ويشرب دمه ينال الحياة الأبدية."

وهكذا تتحول حدوته لا قيمة لها ولا أساس، إلى نبوءة عظيمة تقوم عليها عقائد خطيرة. هذه هي المسيحية التي يقدمها لنا جناب القمّص، أقاصيص وحواديت وتفاسير ما أنزل الله بها من سلطان، واختراعات لعقائد وتعاليم بعيدة كل البعد عن العقل والمنطق، لماذا؟ لأنها من تأليف الإنسان، وليست من الله سبحانه وتعالى.

نفس هذا الكلام يكرره جناب القمّص مرة أخرى عندما يحدثنا عن الشيطان المزعوم الذي جاء ذكره في سفر حزقيال الإصحاح 28 فيقول:

"الله بيكلم الملاك، كان اسمه ساتانا إيل، جت منين؟ ساتان يعني شيطان، وإيل يعني الله"ثم يعود إلى أسلوبه المسرحي فيقرأ علينا النص ويُسقط منه بعض الأجزاء، ويضيف عليه شرحه وتفسيره الذي وضعناه بين قوسين، فيقول: أنت خاتم الكمالْ ملآنٌ حكمةً وكاملُ الجمال. كنتَ في عدن جنة الله أنت الكروبُ (شوفي بقى الإثبات إن ده الملاك، كروب- شاروبيم يعني ملاك) أنت الكروب المنبسط المظلل، وأقمتك على جبل الله المقدس كنتَ أنت كامل في طرقك من يوم خُلقتَ حتى وُجِدَ فيك إثمٌ (اللي هوه الكِبْر) .... فأخطأت فأطرحك من جبل الله وأبيدك أيها الكروب المظلل .... قد ارتفع قلبك لبهجتك (آدي الكبرياء) أفسدت حكمتك لأجل بهائك (لما شفت نفسك بهي وجميل دخلك الغرور، فالشيطان حطّ بذرة الغرور في الإنسان) سأطرحك إلى الأرض .... قد نجّست مقادسك بكثرة آثامك وتكون أهوالا ولا توجد بعد إلى الأبد"وتسأل السيدة ناهد: إزاي لا توجد بعد إلى الأبد، فيشرح لها قائلا: يعني لا توجد في محضري إلى الأبد."

وهكذا نرى نفس التزوير وتحريف المعاني، ونفس حدوتة أم الخير موجودة هنا، فلأن النص به كلمة كروب، والكروب يعني ملاك، يبقى لا بد من لوي معنى النص لكي ينطبق على الشيطان، مع أن الفقرة السابقة مباشرة للنص الذي قرأه جناب القمّص تقول: وكان إليّ كلام الرب قائلا يا ابن آدم، ارفع مرثاة على ملك صور وقل له، هكذا قال الرب. أنت خاتم الكمال، ملآنٌ حكمة وكامل الجمال ... إلى آخر النص.

فالكلام كله عن ملك صور، ولا يوجد أي ذكر لساتانا إيل الذي ادّعى جناب القمّص أن الكلام موجّه إليه. وبنفس منطق القمّص، أم الخير تصبح السيدة مريم، وكيس البصل يصبح يسوع، لأن أبوها قال لها احملي كيس البصل، والحمل معناه الحمل في الرحم، فلا بد أن تكون القصة كلها عن مريم وعن حملها ليسوع. منطق غريب وعجيب حقا ذلك الذي يستعمله جناب القمّص، ولكن هكذا تقوم المسيحية التي يؤمن بها، وهذه هي المسيحية التي يدعو المسلمين للإيمان بها.

ومع ذلك سوف نفترض أن كلامه صحيح، وسوف نقبله على علاته وعيوبه، لمجرد المناقشة والتحليل. فهل يا سيدي القمّص، سكت الله عن توضيح أصل الشيطان منذ عهد آدم إلى عهد إشعياء النبي؟ هل ترك الله الناس يجهلون حقيقة الشيطان لمدة 3500 سنة إلى أن جاء إشعياء وحزقيال ليكتبوا عنه، هذا بافتراض أنهم كانوا يكتبون عنه وليس عن ملك بابل وملك صور كما يقول الكتاب المقدس. هل هذا هو الرب الحكيم الذي هو محبة، يترك شعبه في جهل وفي ضلال طوال هذه المدة ولا يُعرّفهم حقيقة الشيطان، وأنه كان رئيس الملائكة كما تزعم يا سيدي القمّص، أو كما يزعم من سبقوك في تفسير الكتاب المقدس الذين دوّنوا آراءهم فاعتبرها الناس أنها وحي مقدس؟ وهل رئيس الملائكة الذي هو"خاتم الكمال الملآن حكمة وكامل الجمال"الذي يقول عنه الله"أنت كامل في طرقك من يوم خُلقتَ"هل يمكن لهذا الكائن أن يرتكب الإثم ويأخذه الغرور ويتسلط عليه الكبرياء؟ ومن أين عرف بهذه الآثام؟ هل كان هناك شيطان آخر أضله، أم أنه تعلمها من الله، والعياذ بالله؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت