فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
هذه هي التفاسير التي جاءت من الإسرائيليات، والتي يحلو للقمص أن يقتبس منها كثيرا، ويقول إنه لا يأتي بشيء من عنده وإنما كُتُب المسلمين بتقول كده. ما هو للأسف أن هذه الكتب مملوءة بالإسرائيليات التي تسربت إلى كتب المسلمين من كتبكم وأفكاركم يا جناب القمّص. هذه الأفكار التي تسيء إلى الله تعالى، وتصوّره والعياذ بالله في صورة إنسان أحمق لا يعرف ماذا يفعل. ألا تتفق معي يا جناب القمّص أن الله بكل شيء عليم؟ وما دام يعلم الغيب فكيف فات عليه أن يعلم أن رئيس ملائكته سوف يسقط ويتحوّل إلى شيطان؟ ولعلك تريد أن تتعلم ما هو الشيطان وكيف جاء إلى الوجود؟ عليك إذن أن تقرأ التفاسير الصحيحة الخالية من خرافات الإسرائيليات، لتعرف أن الشيطان في اللغة العربية يُطلق على كل ما هو بعيد عن الله وكل ما يسبب الأذى أو الهلاك، فأنت تكون شيطانا إذا كنت بعيدا عن الله، أو إذا عملت على إضلال الناس وتسببت في هلاكهم. والصديق الذي يضر صاحبه يكون شيطانا بالنسبة له، والمرض الذي يؤذي المريض يكون شيطانا كذلك، والحيوان الذي يؤذي الإنسان يكون شيطانا، والأفكار التي تجول بخاطرك وتدفعك إلى عمل السيئات تكون شيطانا، والشهوات والغرائز التي تدفعك إلى معصية الله تكون شيطانا، وهكذا. ولعلمك يا جناب القمّص، فإن الله تعالى حينما خلق الإنسان خلق له أيضا غرائزه وشهواته، وهذه الغرائز والشهوات ليست أمرا سيّئا في ذاتها، فليست هي من فعل الشيطان، وإنما هي من فضل الله ونعمته، بل إن حياة الإنسان والإنسانية كلها لا تستقيم بغيرها. فتصوّر مثلا حياة الإنسان الذي لا توجد لديه شهوة الجنس، كيف يمكن له أن يعمل على استمرار النوع؟ وتصوّر حياة الإنسان الذي لا توجد له شهوة التملك، كيف يمكن له أن يحافظ على بيته وأمواله وأولاده؟ وتصوّر حياة الإنسان الذي لا توجد له شهوة حب النفس، كيف يمكن له أن يحافظ على حياته ويعتني بنفسه؟ وتصوّر حياة الإنسان الذي لا توجد له شهوة الأكل والشرب، كيف يمكن أن يحافظ على حياة جسده ويستمر على قيد الحياة؟ إن وجود كل هذه الشهوات وغيرها ضروري لفائدة الإنسان، وإشباع هذه الشهوات أمر هام وحيوي. والغرض من شريعة الله هو تنظيم إشباع هذه الشهوات، فإذا أحسن الإنسان استعمال هذه الشهوات والرغبات والغرائز، وعمل على إشباعها بالطرق الصحيحة التي بينها الله تعالى في شريعته، فإنه ينال السعادة في الدنيا وفي الآخرة. وإذا أساء الإنسان استعمال نفس هذه الشهوات والرغبات والغرائز، وعمل على إشباعها بغير الطرق التي بيّنها الله تعالى في شريعته، فإنه ينال الخزي والهوان في الحياة الدنيا وفي الآخرة. فوجود الشهوات والرغبات والغرائز في حد ذاته ليس بشيء سيئ، ولا هو ضار بالإنسان، ولا هو من عمل الشيطان، وإنما هو من فضل الله تعالى ومن نعمته. ولعلك تذكر العائلة التي حدثتنا عنها، تلك العائلة الطيبة الغنية التي زرتها في مقتبل شبابك، وكان لديهم نقطة حزن، وهي أن لديهم شاب عمره 16 أو 17 سنة، ولكنه لا يتحرك إلا إذا حركوه، ولا ينام إلا إذا أناموه، ولا يستيقظ إلا إذا أيقظوه، ولا يذهب إلى المرحاض إلا إذا أخذوه إليه، ولكنه لا يؤذي أحدا بل هو مثل الكرسي، حيثما يذهبون به إلى أي مكان يذهب معهم دون أي اعتراض، وإذا تركوه ظل على حاله لا يتحرك. لقد كان وجود هذا الشاب هو نقطة الحزن لدى تلك العائلة الطيبة، وقد ذكرتَ أن هذا الشاب البائس كان فاقد العقل. لا، هو لم يكن فاقد العقل، بل كان فاقدا للشهوات والرغبات والغرائز، وعندما تغيب هذه النعم، لا يستطيع العقل أن يعمل، فيتوقف عن النمو والتقدم والرقي. إذن الشهوات والرغبات والغرائز هي نعمة من الله تعالى، ولكنها تتحول إلى مصدر شر أو إلى شيطان إذا أساء الإنسان استخدامها، وتتحول إلى مصدر خير وسعادة إذا أحسن الإنسان استخدامها. فالله تعالى يقول في سورة الشمس: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا & فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا & قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا & وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا[.