فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولعلك يا جناب القمّص تتساءل عن الغرض الذي من أجله خلق الله الإنسان كما يقدمه الإسلام العظيم. ألا فاعلم يا عزيزي أن الله خلق الإنسان من أجل غرض عظيم وهدف نبيل، وهو عبادة الله تعالى. وبالطبع فإنك مثل من هم على شاكلتك من الناس، سوف تسرع لتقول: وهل الله محتاج لعبادة الإنسان؟ بالطبع لا، فهو يقول: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ & مَآ أُرِيدُ مِنْهُمْ مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ & إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ[ (الذاريات:56-58) . إن العبادة يا جناب القمّص ليست في إقامة الشعائر وأداء الطقوس، وإنما هذه الشعائر والطقوس وسيلة من الوسائل التي تعين الإنسان على عبادة الله. فما معنى العبادة إذن؟ إن العبد هو الشخص الذي يملكه سيده، فيُسَخّر كل عمله في خدمة سيده، ويكون رهن إشارته في كل وقت وفي كل آن. وقد يملك السيد عقارا، وقد يملك أرضا، وقد يملك مالا، وقد يملك متاعا، وقد يملك حيوانا أليفا أو داجنا، ولكن لا تُطلق كلمة"عبد"على أيّ من هذه الأشياء التي يملكها السيد، وإنما تُطلق كلمة"عبد"على الإنسان فقط الذي يملكه السيد، وذلك لأن العبد يشترك مع سيده في الكثير من صفاته وأخلاقه. أي لا بد أن تكون هناك صفات مشتركة بين السيد وبين من يمكن أن يُسمّى عبدا. ومن هنا يكون التعبد هو توافق صفات العبد مع صفات السيد المعبود، وبهذا يكون معنى قول الله تعالى بأنه خلق الإنسان لكي يعبده، أي أنه خلقه لكي تتوافق صفاته مع صفات الله تعالى، أي خلقه من أجل أن يتصف بصفات الله الربانية فيكون إنسانا ربانيا، ليس بمعنى أن الله تعالى يحل فيه والعياذ بالله، وإنما بمعنى أن تتجلى وتظهر فيه الصفات الربانية، في حدود بشريته الإنسانية. فتتجلى على الإنسان الصفات الإلهية، كما تتجلى الشمس في المرآة الصغيرة. فإذا وجّهت المرآة الصغيرة نحو الشمس ونظرت فيها، فإن الشمس التي يبلغ حجمها مليون مرة قدر حجم الأرض، تظهر في تلك المرآة الصغيرة. إنها ليست الشمس حقيقة، ولكنها تتجلى في المرآة. كذلك فإن العبد الحقيقي هو الذي تتجلى فيه الصفات الربانية، في حدود بشريته، بدون تجسد ولا حلول. فكما يكون الله رحيما يكون الإنسان رحيما أيضا، وكما يكون الله غفورا يكون الإنسان غفورا أيضا، وكما يكون الله كريما، يكون الإنسان كريما أيضا، وكما يكون الله حليما يكون الإنسان حليما أيضا، وكما يكون الله ودودا يكون الإنسان ودودا أيضا، وهكذا تتجلى الصفات الإلهية ويظهر أثر الأسماء الحسنى على ذلك العبد الذي يتجه نحو الله تعالى، تماما كما تظهر الشمس في المرآة التي تتجه نحو الشمس. وعلى هذا تكون العبادة هي التخلق بأخلاق الله تعالى، أي بالشكل الذي حث به رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين بقوله:"تخلقوا بأخلاق الله"، وكما لخص هو كل مهمته ورسالته في جملة صغيرة حيث قال:"إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".