فهرس الكتاب

الصفحة 925 من 4557

هذه يا جناب القمّص التعاليم الإسلامية العظيمة عن عبادة الله الحكيم الرحيم الحليم الغفور الودود، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العظمى، وليس هو ذلك الإله الممسوخ المشوّه الذي تقدمه لمشاهديك يا جناب القمّص، وتصوّره على أنه والعياذ بالله إله ظالم مستبد، يخلق إنسانا مسكينا ضعيفا، لا حول له ولا قوة، ولا علم له ولا معرفة، ولا يعرف الفرق بين الخير والشر، ثم بعد أول خطأ غير مقصود يصدر منه، يلعن الأرض بما فيها، ويتفجر حمو غضبه على المرأة المسكينة هي الأخرى فيكثّر أتعاب حبلها وآلام ولادتها، بل وينال غضبه أيضا الحيات والثعابين في العالم، فيضطرهم إلى المشي على بطونهم وأكل التراب، ثم ينسى ويتغاضى عن موضوع أكل التراب بالنسبة للحيات، ولكنه لا ينسى ولا يتغاضى عن تعذيب البشرية كلها في أتون جهنم النار الأبدية. ثم تأتي سيادتك يا جناب القمّص وتحاول أن تقنعنا بأن مثل هذا الإله الظالم الغاشم المستبد هو قاض عادل. لا، بل الأغرب من هذا أنك تحاول يا جناب القمّص أن تقنعنا بأنه إله محبة. لا شك طبعا أن الله تعالى إله رحمة وإله محبة، ولكنكم بتفسيركم المشوّه للكتاب المقدس، وبرغبتكم المستميتة الخائبة في إثبات تجسد الله في جسد المسيح، وفي محاولاتكم الفاشلة لرفع السيد المسيح إلى مصاف الآلهة وجعله ابنا لله، اضطررتم أن تنسبوا لله تعالى أوصافا حمقاء، وقدمتم لنا إلها آخر مشوها، غير الله تعالى الذي أنزل توراته على موسى صلى الله عليه وسلم ، والذي أنزل إنجيله على عيسى صلى الله عليه وسلم . ثم تأتي بعد ذلك يا جناب القمّص لتقول لنا إن هذا الإله الظالم المستبد هو إله محبة، لأنه قدم ابنه الوحيد ليكون فداء عن خطايا البشرية، فتجسد في صورة إنسان كان بريئا هو الآخر، ولكنه اقتحم عليه إنسانيته، وتلبّس في جسده، ليموت على الصليب ويفدي البشرية المعذبة التي سبق وأصدر عليها حكم العذاب في أتون النار الأبدية. ولو كان هذا هو الحق يا جناب القمّص، ولو افترضنا جدلا أن ذلك الإله الظالم المستبد قد تجسد بالفعل ليفدي البشرية، ويمنع عنها ذلك العقاب الأبدي اللانهائي المستمر في أتون النار الأبدية، لما دل ذلك على أنه إله محبة، وإنما يدل على أنه أدرك خطأه، وعرف مقدار ظلمه، وفهم حقيقة استبداده ورعونته وجنونه، وأراد أن يصلح ما أفسده بحمو غضبه وقلة حكمته.

دعك من هذا الإله يا جناب القمّص، فليس له وجود إلا في مخيلة من اخترعوه، وتَوَجه إلى الله تعالى رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، واعبده مخلصا له الدين، واستعن به لكي يهديَك إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن ينجيك أنت وأمثالك من صراط المغضوب عليهم ومن صراط الضالين. آمين

وقد بدأ جناب القمّص حلقاته بأن حدثنا عن مفهوم الصيغة التي يؤمن بها من المسيحية عن اللاهوت، وأنا أقول الصيغة التي يؤمن بها من المسيحية، لأن المسيحية ليست هي فقط ما يؤمن به جناب القمّص، وإنما لها أشكال وألوان، ولكل شكل ولون عقائد ومفاهيم، وهي إذا كانت عند البعض شرقا، فهي عند الآخرين غرب، وإذا اعتبرها البعض شمالا، اعتبرها البعض الآخر جنوبا. وليست هذه مبالغة أو افتئاتا على المسيحية، فهذه هي الحقيقة التي يدركها جيدا جناب القمّص، ويعرف أن الصيغة التي يؤمن بها من المسيحية هي مجرد صيغة من مئات الصيغ التي يزعم أتباع كل صيغة أنها هي المسيحية الصحيحة التي جاء بها السيد المسيح.

المهم. حدثنا جناب القمّص بعد ذلك عن حتمية تجسد الإله كما يتصوره، وذلك لكي يفدي البشرية على حد قوله، إذ يقول إن آدم أخطأ، وكان الحكم الذي وضعه الرب للخطيئة هو الموت، أي الانفصال عن الله تعالى، والخزي والعار، ثم العذاب الأبدي في أتون جهنم النار الأبدية، ليس لآدم فقط وإنما للبشرية كلها. وقد بينت في الحلقة السابقة كيف أن هذا الحكم يتعارض مع حكمة الله تعالى ولا يليق بأن يصدر عن إنسان عاقل حكيم، فضلا عن أن يُنسب إلى الله تعالى رب العالمين. ولكن، دعونا نستمر مع جناب القمّص إلى باب الدار كما يقولون في الأمثال.

يقول جناب القمّص إن الله عادل، فهو كما قال عنه الكتاب المقدس:"الله قاض عادل" (مزامير11:7) ، ولذلك إذا حكم فلا بد أن ينفّذ حكمه. ولكن الله أيضا رحيم، فلا بد أن يرحم، إذ يقول الكتاب المقدس:"الرب إله رحيم رؤوف غافر الإثم والمعصية والخطية" (الخروج24: 7،6) . وهنا تقول السيدة ناهد متولي إن أحباءنا في الإسلام يتمسكون بهذا ويقولون إن الله غفر الإثم. فيقول جناب القمّص:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت