فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
"ده اعتراض مهم أوي، وينبغي إن احنا نوضّحه. مش كده؟". أيوه كده يا جناب القمّص. فماذا قال جناب القمّص؟ قال بالحرف الواحد:"دلوقتي لما الله أصدر حكم الموت، بييجي الإنسان يتوب، بننتظر من الله يغفر، طب وحكم الموت يروح فين؟ العدل ده؟ حيروح فين؟ يرجع في كلامه؟ إنت تُبت.. خلاص أنا مسامحك.. خلاص يا ابني مسامحك؟ لا راد لكلام الله ولا مبدل لكلماته، أصدر حكم يبقى هوه الحكم، مش كده؟... ومن هنا نشأت المشكلة بين الرحمة والعدل. لو العدل أخد قصاصه يبقى مفيش رحمة، ولو الرحمة غفرت وسامحت يبقى مفيش عدل، وحاشا لله إن أي صفة من صفاته تُمَس. وهوه عشان النقطة دي بالذات كانت قصة الفداء كلها، إن عشان خاطر ربنا يغفر ويرحم، لازم يبقى فيه فدية تتحمل الحكم بتاع العدل".
ليتني يا حضرات المشاهدين كنت أستطيع أن أسمعكم كلمات جناب القمّص بصوته حتى تعلموا أني لم أنقص منها شيئا ولم أضف إليها شيئا، ولتروا بأنفسكم وتسمعوا بآذانكم الخلل الذي في تصوّر جناب القمّص ومن هم على شاكلته. لقد طلع علينا جناب القمّص بمفهوم عجيب وغريب عن العدل، مفهوم لا نراه مكتوبا في أي قانون من قوانين العالم المتحضر، ولا حتى في العالم المتخلف. مفهوم لا يعمل به أحد من البشر في العالم، إلا المجانين أو الطغاة المستبدين. فيقول إن العدل يقتضي أنه إذا صدر حُكم فيجب أن يُنفّذ الحكم، أي إذا صدر الحكم بعقوبة معينة فالعدل هو أن تُنفّذ هذه العقوبة. هل هذا مفهوم العدل عندك يا جناب القمّص، وعند المسيحية التي تدعونا إليها، أنه لا بد من تنفيذ عقوبة الحكم الصادر؟ أم أن العدل يقتضي أولا ألا يصدر الحكم أصلا إلا بعقوبة تتساوى مع الجرم؟ ألم تقرأ في كتابك المقدس يا جناب القمّص أن العين بالعين، والسن بالسن؟ هذا هو العدل يا جناب القمّص، وهو أن تكون العقوبة مساوية للجرم الذي وقع أو معادلة له. ليتك يا جناب القمّص تتعلم من حكمة القرآن الكريم، ولا تعتمد فقط على من يكتبون لك المواد التي تقرأها ويعدّون لك البرامج التي تقدمها. يقول القرآن الكريم في سورة الشورى: وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا [ هذا هو العدل يا جناب القمّص، أما تنفيذ العقوبة أو عدم تنفيذها فهذا ليس عدلا، وإنما هو حكمة. إذا اقتضت الحكمة تنفيذ العقوبة، لأن في تنفيذها إصلاح المذنب، فيجب تنفيذ العقوبة. وإذا اقتضت الحكمة عدم تنفيذ العقوبة والعفو عن المذنب لأن العفو عنه يؤدي إلى إصلاح المذنب، أو إلى منع فساد يكون أكبر من فساد المذنب، فيجب عدم تنفيذ الحكم. ولذلك يقول تعالى وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا[، وهذا هو العدل، وأما الحكمة فهي ] فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ[، أي أن العفو الذي ينتج عنه إصلاحٌ هو عين الحكمة، ويكون من الظلم المخالف للعدل ألا يعفو الإنسان في هذه الحالة. أما إذا كان العفو يؤدي إلى فساد وظلم، فيجب تنفيذ العقوبة لمنع الظلم، لأن الله لا يحب الظالمين.
هذه يا جناب القمّص حكمة الإسلام العظيم، الذي تتهمه بأنه دين إرهاب، هذه هي الحكمة التي لا تأتي إلا من عند أحكم الحاكمين. أما ما تدعونا إليه، فهو من أفكار البشر التي أقحموها على الكتاب المقدس، فحرّفوا الحكمة التي أنزلها الله تعالى فيه، والتي لا تزال آثارها تشهد بجريمة التزوير والتحريف. وأما الأفكار البشرية التي كتبها بولس، أو التي أُقحِمت على الكتاب وفُرضت على الناس باعتبارها أسفارا مقدسة، فهي أيضا تشهد بجريمة التزوير والتحريف، لأنها تخالف العقل والمنطق والواقع الحياتي لجميع الناس.