فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن دساتير الدول وقوانينها لا تنص أبدا على أن العدل هو في حتمية تطبيق العقوبة وتنفيذ الأحكام، وإنما العدل هو ألا تصدر الأحكام إلا على أساس عادل، ولا تُنفّذ العقوبة إلا إذا كانت تتساوى مع الجرم الذي وقع. إنك يا جناب القمّص من مواليد مصر، كما تدل على ذلك لهجتك المصرية، فهل رأيت في مصر قانونا ينص على أن العدل هو في تنفيذ العقوبة؟ وقد سافرت إلى أستراليا وإلى قبرص وإلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث تعلمت فيها ما تعلمت، فهل رأيت في تلك البلاد قانونا ينص على أن العدل يحتم تنفيذ العقوبة في جميع الأحوال. إن الكثير من الدول تعطي رئيس الدولة حق العفو، وفي الولايات المتحدة الأمريكية حق العفو في يد رئيس كل ولاية. ألم تقرأ في كتابك المقدس يا جناب القمّص أن بيلاطس، الحاكم الذي قدّموا أمامه السيد المسيح لمحاكمته، فلم يجد عليه علة أو ذنبا، وأراد إطلاق سراحه، ولكن الغوغاء من الناس صاحوا: اصلبه اصلبه، فلما أراد أن يطلقه بمناسبة عيد الفصح، قالوا لا، اطلق لنا براباس؟ فهل كان في العفو عن مذنب وإطلاق سراحه منافاة للعدل؟ وإن كان، فلماذا لم يعترض عليه المسيح؟ ولماذا سكت يوحنا المعمدان عن عادة إطلاق سراح أحد المذنبين في العيد، وهو الذي لم يسكت عن أعمال هيرودس وفضحه في كل مكان؟ ولو كان العدل يقتضي تنفيذ الحكم كما تدّعي يا جناب القمّص، فلماذا لم يعدل السيد المسيح نفسه؟ العجيب يا جناب القمّص أنك تكرر قولك بأن المسلمين لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، مع أن هذا القول يبدو أنه ينطبق على جنابك. وأنا الحقيقة في غاية العجب والدهشة، وأريد أن أسألك: ألا تقرأ كتابك المقدس يا جناب القمّص؟ لا شك أنك قرأته مرات ومرات، فما بالك تقرأ ولا تفهم المكتوب فيه؟ إن كنت لم تقرأ، فالجاهل معذور، وإن كنت قرأت وفهمت، فما كان لك أن تخطئ هذا الخطأ الفاحش. صحيح أنت إنسان، ويمكن أن تنسى أو تخطئ، ولكنك أيضا رجل دين، وتدعو المسلمين أن يتركوا إسلامهم ويتّبعوا مسيحيتك، واستطعت بأسلوبك البارع والمخادع أن تقنع بعض المسلمين باعتناق المسيحية، ولا لوم عليك في هذا، ولكن كان ينبغي عليك أن تقول لهم كل الحقيقة، وحسب القاعدة التي وضعتها جنابك ومن هم على شاكلتك ممن وضعوا أساس المسيحية الخاطئة التي لا يعرفها السيد المسيح، كان ينبغي عليك أن تقول لهم إن السيد المسيح نفسه لم يطبق العدل، وكان يكفي أن تقرأ عليهم ما جاء في إنجيل يوجنا الإصحاح الثامن، وهو كما يلي:
"ثم حضر أيضا (أي يسوع) إلى الهيكل في الصبح وجاء إليه جميع الشعب فجلس يعلمهم. وقدّم إليه الكتبة والفرّيسيون امرأة أُمسِكت في زنا، ولما أقاموها في الوسط قالوا له يا معلم، هذه المرأة أُمسكت وهي تزني في ذات الفعل، وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه تُرجَم، فماذا تقول أنت؟ قالوا هذا ليجرّبوه لكي يكونَ لهم ما يشتكون به عليه، وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بأصبعه على الأرض. ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم: من كان منكم بلا خطية فليرمها أولا بحجر. ثم انحنى أيضا إلى أسفل وكان يكتب على الأرض. وأما هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تُبَكّتهم خرجوا واحدا فواحدا مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين. وبقيَ يسوع وحده والمرأة واقفة في الوسط. فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحدا سوى المرأة قال لها يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك، أما دانك أحد؟ فقالت لا أحد يا سيد. فقال لها يسوع ولا أنا أَدينك، اذهبي ولا تخطئي أيضا".
والآن يا جناب القمّص، سؤالنا هو: لماذا لم يدن يسوع المرأة؟ إن كنت تقول إن الخطاة تسربوا الواحد تلو الآخر، ولم يستطع أي منهم أن يرمها بحجر، فهذا مفهوم، ولكنه هو الذي بلا خطية، لماذا لم ينفذ الحكم، بل لم يدنها أصلا؟ لعلك تقول إنه جاء ليموت من أجل البشر لا ليقيم عليهم الحد، ولكن يا سيدي هذا كان قبل واقعة الصلب، حيث كان ناموس موسى لم يُنسخ بعد، وكان لا يزال واجب العمل به، وتصديقا لذلك قال المسيح:"لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء" (متّى17:5) . أليس الإله الذي تجسّد فيه هو الذي أنزل هذا الناموس على موسى؟ أليس هذا هو حكمه الذي قرره بنفسه؟ فلماذا تخلى عن العدل، وغيّر كلامه، وبدّل كلماته، ولم ينفذ الحكم؟
وهل نسيت يا جناب القمّص ما ذكرناه في الحلقة السابقة، وما كان من أمر موسى في سفر الخروج حين قال له الرب:"رأيت هذا الشعب وهو شعب صلب الرقبة، فالآن اتركني ليحمي غضبي عليهم وافنيهم فأصيّرك شعبا عظيما. فتضرّع موسى أمام الرب إلهه وقال: لماذا يا رب يحمي غضبك على شعبك الذي أخرجته من أرض مصر بقوة عظيمة ويد شديدة؟ لماذا يتكلم المصريون قائلين أخرَجَهم بخُبث ليقتلهم في الجبال ويُفنيهم عن وجه الأرض. إرجع عن حُمُوّ غضبك، واندم على الشر بشعبك ... فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه" (الخروج32: 9-14) .