فهرس الكتاب

الصفحة 928 من 4557

ألم تقرأ أيضا يا جناب القمّص في سفر يونان كيف أن الرب أرسل يونان النبي (أي يونس صلى الله عليه وسلم ) إلى أهل نينوى ليخبرهم بحكم الله عليهم، وهو"بعد أربعين يوما تنقلب نينوى" (يونان4:3) ،"فآمن أهل نينوى بالله ونادوا بصوم ولبسوا مسوحا من كبيرهم إلى صغيرهم، وبلغ الأمر ملك نينوى فقام عن كرسيه وخلع رداءه عنه وتغطى بمسح وجلس على الرماد، ونودي وقيل في نينوى عن أمر الملك وعظمائه قائلا لا تذق الناس ولا البهائم ولا البقر ولا الغنم شيئا، لا ترع ولا تشرب ماء، وليتغط بمسوح الناس والبهائم ويصرخوا إلى الله بشدة ويرجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذي في أيديهم، لعل الله يعود ويندم ويرجع عن حمو غضبه فلا نهلك. فلما رأى الله أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة ندم الله على الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه" (يونان3: 5-10) .

وماذا يا جناب القمّص عن سفر حزقيال والإصحاح 18؟ ألم تقرأ فيه ما يلي:"النفس التي تخطئ هي تموت ... فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها، وحفظ كل فرائضي وفعل حقا وعدلا فحياة يحيا، لا يموت. كل معاصيه التي فعلها لا تُذكر عليه، في برّه الذي عمل يحيا. هل مسرّةً أُسَرّ بموت الشرير، يقول السيد الرب، ألا برجوعه عن طرقه فيحيا. وإذا رجع البار عن بره وعمل إثما وفعل مثل كل الرجاسات التي يفعلها الشرير، أفيحيا؟ كل برّه الذي عمله لا يُذكر، في خيانته التي خانها وفي خطيّته التي أخطأ بها يموت. وأنتم تقولون ليست طريق الرب مستوية، فاسمعوا الآن يا بيت إسرائيل، أطريقي هي غير مستوية؟ أليست طرقكم غير مستوية؟ إذا رجع البار عن برّه وعمل إثما ومات فيه فبإثمه الذي عمله يموت. وإذا رجع الشرير عن شره الذي فعل وعمل حقّا وعدلا فهو يُحيي نفسه، رأى فرجع عن كل معاصيه التي عملها فحياة يحيا، لا يموت" (حزقيال18: 20-27)

فأين ذلك المفهوم الغريب عن العدل الذي تحدثنا عنه يا جناب القمّص؟ إن الكتاب المقدس، سواء كان في العهد القديم أو في الأناجيل، يبين أن العدل لا يعني حتمية تنفيذ العقوبة، وأن الله لا يُسرّ بموت الشرير، بل برجوعه عن طرقه وتوبته فيحيا. وأنت يا جناب القمّص تقول لنا ساخرا بالحرف الواحد:

"دلوقتي لما الله أصدر حكم الموت، بييجي الإنسان يتوب، بننتظر من الله يغفر، طب وحكم الموت يروح فين؟ العدل ده؟ حيروح فين؟ يرجع في كلامه؟ إنت تُبت.. خلاص أنا مسامحك.. خلاص يا ابني مسامحك؟ لا راد لكلام الله ولا مبدل لكلماته، أصدر حكم يبقى هوه الحكم، مش كده؟"

لأ طبعا مش كده وألف مش كده. ويا ترى هل تنتظر من الناس أنهم يصدقونك ويصدقون هذه الصورة القبيحة القميئة لإله قاسٍ ظالم مستبد يعتبر أن العدل هو في تنفيذ العقوبة مهما كانت، أم يصدقون هذه المقتطفات والاقتباسات التي قدمتها لك وللناس كي يعرفوا حقيقة المسيحية التي تدعو إليها؟ إنك أنت ومن هم على شاكلتك تريدون أن تبالغوا في حكم العقوبة، وفي شدتها، وفي قسوتها، وفي هولها، وفي مصيبتها، وفي شمولها لكل البشرية، كي تأتوا بعد هذا وتقولوا مش مهم كل هذا، فإن إله المحبة قد تجسد في المسيح وجاء ليحمل عنكم العقوبة، ويموت فداء لكم. إنها كذبة كبرى تلك التي اخترعتموها من أجل أن تبرروا تجسد الله في المسيح، ولأنها فكرة بشرية فلا بد أن ينكشف زيفها، وتظهر تناقضاتها، ويتبين خطؤها، لأن من اخترع هذه الكذبة لم يدرك أنه يسيء إساءة بالغة إلى الله تعالى، ويصمه بأقذع الصفات.

إن العدل الذي تحدثنا عنه يا جناب القمّص، ليس في تنفيذ الحكم تحت جميع الظروف، وإنما في عدم صدور الحكم أصلا إلا بما يتفق مع قواعد العدل. ومع ذلك، وحتى إذا كان الحكم قد صدر حسب قواعد العدل، فلا ينبغي أن يُنفذ في كل حالة. وعليك أن تتعلم يا جناب القمّص من يونان النبي، الذي اغتاظ لأن الله لم ينفذ حكمه الذي أصدره على أهل نينوى بل رجع عنه، فقال له الرب:"هل اغتظت بالصواب"؟ أي هل لك حق أن تغتاظ؟ ثم علمه درسا مفيدا، حبذا لو تقرأه يا جناب القمّص لتتعلم أنت أيضا كيف أن الرحمة لا تتعارض مع العدل، بل هي فوق العدل. يقول الكتاب المقدس أن الله أنبت يقطينة على يونان النبي لتظلله من الشمس ففرح بها فرحا عظيما، ولكن الله أعد دودة صغيرة عند طلوع فجر الغد فضربت اليقطينة فيبست، وطلعت الشمس على يونان وأرسل الله ريحا حارة فضربت الشمس رأس يونان، فطلب لنفسه الموت وقال موتي خير من حياتي، لأنه حزن على اليقطينة التي ماتت. فقال الله ليونان: أنت شفقت على اليقطينة التي لم تتعب فيها ولم تربها، التي بنْت ليلة كانت وبنْت ليلة هلكت. أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من مائة وعشرين ألف نسمة من البشر الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم وبهائم كثيرة؟ (راجع القصة في الإصحاح الرابع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت