فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أرأيت يا جناب القمّص؟ أرأيت كيف يغير الله حكمه من أجل مائة وعشرين ألف من البشر، كانوا خاطئين وكانت طرقهم رديئة وكان الظلم في أيديهم، ولكنهم تابوا وندموا وطلبوا الغفران من إله المحبة الذي لم يتجسد ولم يدخل في جسم إنسان، فرحمهم ولم ينفذ حكمه فيهم، ولم يقل لهم كما قلت أنت"طب وحكم الموت يروح فين؟ العدل ده حيروح فين؟ انتم عايزني أرجع في كلامي ويطلع القمّص زكريا بطرس غلطان؟ مش ممكن! أنتم تتوبوا وأنا خلاص أسامحكم؟ أقولكم روحوا يا ابني انت وهوه خلاص سامحتكم؟ طب ولو عملت كده مين يصدق القمّص زكريا بطرس؟؟"
وعفوا يا جناب القمّص إذا كنت قد استشهدت بكلامك مع شيء من التصرف!!
والآن نعود مرة أخرى إلى آدم وحواء، اللذين تقول عنهما أنهما أخطآ، ولنفترض أنهما أخطآ، فهل هذا الإله الرحيم الشفوق يصدر هذا الحكم القاسي الذي فسرته أنت يا جناب القمّص بأن الموت يعني الانفصال عن الله، والخزي والعار، والعذاب لهما ولجميع البشرية في أتون جهنم النار الأبدية إلى أبد الآبدين؟ حتى الأطفال الذين يموتون في سن الطفولة دون أن يعرفوا شيئا عن فلسفات جناب القمّص زكريا بطرس؟ يا للهول ويا للقسوة!
لو أنك يا جناب القمّص اكتفيت بتفسير الموت على أنه الانفصال عن الله، لقلنا نعم، جايز. ولو أردت أن تضيف أيضا الخزي والعار، لقلنا لا مانع ولا ضير، فلا شك أن موت الخطية يعني البعد عن الله، ومن يبتعد عن الله لا بد أن ينال الخزي والعار. ولكنك أضفت العذاب في النار الأبدية وجمعت كل البشرية في هذا العذاب، وترى أن هذا يتساوى مع حجم خطيئة فرد أو فردين، وهذا يا جناب القمّص هو عين الظلم بل وقسوته، ولا يمكن أن نقبل بأن يُنسَب هذا الظلم إلى الله الغفور الرحيم، حتى ولو كان على استعداد أن يتجسد مئات المرات، ويُصلب ألوف المرات، فإن هذا لا ينفي الظلم الذي ارتكبه بإصدار مثل هذا الحكم الجائر الظالم المستبد.
حبذا يا جناب القمّص لو أنك أعدت التفكير في الموضوع كله برمته، وحبذا أيضا لو أعادت السيدة ناهد متولي وكل أولئك الذين خدعتهم بكلامك وأسلوبك الذي يبدو للوهلة الأولى أنه صحيح، ولكن بعد التفكير والتمحيص، يتبين أنه يسيء أكبر إساءة إلى الله تعالى، ويصفه بأقذع الأوصاف. ولن يغير من الأمر شيء أن تتشدق بعد ذلك بأن إله المسيحية إله محبة، فقد كان الأولى به أن يكون عادلا أولا، فلا يصدر حكما جائرا، قبل أن يكون إلها للمحبة.
عسى أن يهديكم الله تعالى إلى الحق، ويفتح أعينكم لتروا الحق الذي أفسدته فلسفات الإغريق وملاحدة اليونان ووثنيات الرومان، فتعبدون الله الواحد الذي لا يتجسد، إله المحبة والرحمة والعدل. آمين.
جناب القمّص يتّبع في حديثه أسلوبا يبدو أنه منطقي، ولكنه مغلوط ومخادع، فهو يعتمد في حديثه على ما يلي؛ أولا: سوء تفسير بعض المقتبسات من الكتاب المقدس ومن القرآن الكريم، ليخرج بمعنى لا يحتمله النص، كما فعل ذلك حين فسر كلام الكتاب المقدس عن ملك بابل وملك صور بأنه يتعلق برئيس الملائكة الذي تحوّل إلى شيطان. ثانيا: يقدم جناب القمّص أفكارا تبدو أنها صحيحة، ولكنها تقوم على أساس خاطئ، ثم يخرج منها بقاعدة يبني عليها عقيدة خطيرة. ثالثا: يخلط كثيرا بين الحقائق والتشبيهات. رابعا: يتعمّد أحيانا تحريف النص ليتّفق مع وجهة نظره. خامسا: يتهم المسلمين بالجهل، وأنهم لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يريدون أن يقبلوا الحقيقة. سادسا: يستخدم آراء بعض المفسرين ويعتبرها ملزمة لجميع المسلمين كما هو الحال عندهم في المسيحية، حيث يلتزم شعب الكنيسة بتفسير المفسرين، وإلا يُعتبر المرء كافرا ومرتدا ويُفصل من الكنيسة، وبهذا لا يستطيع أحد أن يستعمل عقله، بل عليه أن يقبل ما قرره المفسرون وحسب. وقد بينت في حلقات سابقة أن الوضع في الإسلام يختلف عن الوضع في المسيحية، فتفسيرات المفسرين غير ملزمة لجميع المسلمين، والمفسرون علماء أجلاء اجتهدوا بغرض تبسيط المفاهيم الدينية أو لشرح معاني ما فهموه من القرآن المجيد، ولكنهم معرّضون للصواب والخطأ، وقد اختلفوا مع بعضهم البعض، ونقل بعضهم عن المفاهيم المسيحية السائدة والأفكار الإسرائيلية، وهذه كلها تُسمّى الإسرائيليات. وعلى هذا، ومع كل الاحترام والتقدير لأولئك المفسرين، فإن أقوالهم ليست من أسس الإسلام، وهي غير ملزمة لجميع المسلمين، وبالتالي فرأيهم ليس حجة لجناب القمّص كي يحتج به، وهو بالطبع يفعل هذا ليُكسب أقواله شرعية ومصداقية لدى بعض الناس الذين يجهلون هذه الأمور، وذلك من أجل أن يخدعهم ويزيّن لهم أقواله، ولكن نحن له بالمرصاد، وسوف ينكشف الكذب ويفتضح الدجل ويظهر الحق بإذن الله.