فهرس الكتاب

الصفحة 930 من 4557

كنا قد تحدثنا في الحلقة الماضية عن أن العدل لا يعني حتمية تنفيذ العقوبة التي صدر بها الحكم، ولكن العدل هو أن لا يصدر الحكم أصلا إلا بعقوبة تتساوى مع الجرم الذي وقع، أما تنفيذ الحكم وإيقاع العقوبة فهو ليس عدلا، وإنما هو حكمة. فإن كان من الحكمة تنفيذ العقوبة، لأن ذلك سوف يُصلح من شأن الجاني أو المجتمع، فيجب أن تنفذ العقوبة، وإن كان من الحكمة عدم تنفيذ العقوبة، لأن الجاني قد أدرك خطأه، أو لأن تنفيذ العقوبة سوف يؤدي إلى فساد أكبر من فساد الجاني، فيجب ألا تنفذ العقوبة. وكان جناب القمّص قد زعم أن حكم الله لا بد أن ينفذ، لأنه لا راد لكلام الله ولا مبدل لكلماته. والغريب أنه يستشهد بآيات قرآنية لا علاقة لها بموضوع تنفيذ العقوبة التي صدر بها أي حكم. وهذا يبين حقيقة ما ذكرته عن أسلوبه وهو أنه يسيء تفسير بعض المقتبسات من الكتاب المقدس ومن القرآن الكريم ليخرج بمعنى لا يحتمله النص. ومع أنه لم يفسر النص القرآني في هذه الحالة، إلا أن استشهاده بالنص كان غرضه أن يوحي بمعنى معين للسامع أو المشاهد، وهذا المعنى لا يحتمله النص، تماما كما أقول مثلا (وهو مجرد مثال) في حق جناب القمّص أن تصرفه هذا يذكرني بالآية التي تقول: أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزَّهُمْ أَزًّا & فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا[ (مريم:84) ، فأنا لا أقدم للآية أي تفسير، وإنما أترك السامع والمشاهد ليستنتج ما يشاء. لماذا لا تستشهد بكتابك المقدس يا جناب القمّص عندما تريد أن تبرهن على صحة عقيدة تؤمن بها، بدلا من هذا الأسلوب الملتوي الذي تريد أن تؤثر به على مشاهديك من المسلمين؟

وقد بينت لجناب القمّص في الحلقة الماضية أن الله أصدر عدة أحكام بالموت والهلاك، ولكنه لم ينفذها، فقد أراد أن يهلك قوم موسى الذين عبدوا العجل، ولكن موسى تشفع لهم فعفا الله عنهم. وحكم بهلاك قوم يونس وتدمير مدينتهم نينوى ولكنهم تابوا فعفا عنهم. والمسيح نفسه لم ينفذ الحكم على امرأة قُبِض عليها وهي تزني، مع أن الشريعة التي أنزلها الإله الذي كان متلبسا فيه، كما يؤمن بذلك جناب القمّص، كانت تنص على حتمية توقيع العقوبة. والأمثلة على ذلك كثيرة في الكتاب المقدس مما يجعلنا نتساءل: ألم يقرأ جناب القمّص جميع هذه الأمور في كتابه المقدس؟ بالطبع لا بد أن يكون قرأها، وفي هذه الحالة يكون هناك 3 احتمالات: إما أنه لم يفهمها، فيجب عليه ألا يتهم المسلمين بأنهم إذا قرأوا لا يفهمون؛ وإما أنه فهمها وحرّف معانيها ليُصدق الأكذوبة التي يعيش فيها، وهي حتمية تنفيذ العقوبة في كل حالة، أو أنه فهمها وأراد إخفاءها عن سامعيه ومشاهديه حتى لا يظهر الخلل فيما يقول به. لا يا جناب القمّص. لا تظن أن المسلمين لقمة سائغة تستطيع أن تلوكها، أو أنك تستطيع أن تخدعهم بهذا الأسلوب، واعلم يقينا أن فيهم من يعرف كتابك المقدس خيرا مما تعرفه أنت، وهم لن يتركوك لتخفي الحقائق وتنشر الأكاذيب، وإنما سوف يلاحقونك ويكشفون كل زيف فيما تقول، ويظهرون الحق، فالحق من أسماء الله الحسنى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

بعد ذلك حكى لنا جناب القمّص مثالا لكي يشرح موضوع أن العدل يتناقض مع الرحمة، ولا يمكن تحقيق الاثنين معا إلا إذا تطوّع أحد ليتحمل العقوبة حتى يأخذ العدل قصاصه، فيمكن بعد ذلك تطبيق الرحمة. واسمح لي يا جناب القمّص أن أسألك بإخلاص: ألا تشعر بأن ذلك الإله الذي تتضارب صفاته لا يستحق العبادة؟ ألا تنفر نفسك من إله يعجز عن أن يمارس صفة من صفاته لأن صفة أخرى تمنعه وتريد هي أن تتحقق أولا؟ ألا يذكرك مثل هذا الإله بمدمن المخدرات الذي يريد أن يمتنع عن تناول المخدرات، ولكن العادة تمنعه من ذلك وتريد أن تُشبَع أولا؟ ألا تفكر في كثير من السكيرين والمقامرين الذين يريدون أن يتوقفوا عن سكرهم وقمارهم، ولكنهم لا يستطيعون ذلك لأن هناك دافعا آخر يمنعهم ويريد أن يُشبَع ويتحقق أولا؟ ألا تستهجن نفسك أن تكون أنت أحد هؤلاء؟ ألا تشمئز نفسك من أن يصيبها هذا الخلل فتفقد كرامتك واحترامك لنفسك وتتحوّل إلى إنسان عاجز عن أن يتحكم في نوازعه ودوافعه؟ فكيف بالله عليك يا جناب القمّص تنسب مثل هذه الصفات الدنيئة إلى الإله الذي تعبده، ثم تزعم بعد هذا أن هذا الإله هو إله المحبة؟ إن هذا الإله المريض يجب ألا يكون له وجود إلا في مخيلة المرضى من الناس، وحاشا لرب العالمين أن يتصف بصفات المدمنين والسكيرين والمقامرين.

أما المثال الذي قدمه جناب القمّص فهو كما رواه للسيدة ناهد متولي كما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت