فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
"أنا استلفت ألف جنيه من حضرتك، وصرفت الفلوس دي على ابن عندي عيان، وورايا ديون وحاجات. مدّيكي ميعاد وجه ميعاد السداد ومفيش عندي فلوس أسَدّد، فات سنة مفيش، فات سنتين مفيش. يا عم هات الفلوس، مفيش.. حجيب منين؟ ده أنا مديون لغيرك وغيرك كمان، ديون ماشية. وأنت إنسانة حقانية وعادلة وعايزة حقك برضه لمصلحتك وأولادك. فبتشتكيني في المحكمة فبروح قدام القاضي. إنت أخدت ألف جنيه من المدام دي؟ أيوه حصل. يعني معترف، والاعتراف ده سيد الأدلة. أنا ما بنكرش، حبقى قسيس وانكر؟ مقدرش. طيب ادفع لها الفلوس. ياريت يا حضرة القاضي، أنا بتمنى، ده أنا غلبان ومديون لفلان وفلان وابني عيان ومش عارف عندي إيه ومشاكل كتير طيب، أجيب منين؟. القاضي شاف فيّ الصدق وشاف فيّ الاعتراف. بس المحكمة بالعدل، لكن الراجل ده كان عنده رحمة، بقى في مشكل، وشايف مشكلتي وشايف احتياجي. حيسجني بالفلوس؟ لا انتِ استفدتِ حاجة، وأنا كما حزوّد المشكلة لأن عيلتي محتاجة للي يصرف عليها. فالراجل ده من رحمته يوْجد الحل، لأنه لو حكم عليّ بالسجن أنتِ مش حتستفيدي، ولو قال لي طب مع السلامة روح شوف عيالك يبقى ظلمِك، فالراجل يعمل إيه؟ يقول لي أنت مديون بكام؟ أقول له مديون بألف. إنتي لكِ الألف دول يا ست؟ تقولي له أيوه، يروح مطلع من جيبه دفتر الشيكات، وكاتب لك شيك بألف جنيه. فتقول السيدة ناهد: يبقى كده أنا خدت حقي. فيقول القمّص: خدتِ حقك وأنا اترحمت. ده مش كده وبس. يقول لي أنا عارف إنك غلبان ومسكين ومحتاج فلوس، خد كمان شيك بألف جنيه ده عشان تغطي نفسك. ده حق ده رحيم. هكذا الأمر مع الله، صدر حكم بالموت، الله لا يعود في كلامه أبدا، ده ملك الملوك ورب الأرباب، لا راد لكلامه، بس لازم يوْجد حل عشان يدّي الرحمة".
هذا هو المثال الذي قدمه جناب القمّص، وهو المثال الذي يقدمونه دائما لشرح فكرة العدل والرحمة. والقصة من فوق السطح تبدو معقولة ولكنها ملآنة بالمغالطات وتفيض بالمفارقات. والإنسان السوي يا جناب القمّص، حينما يضرب مثلا أو يعطي تشبيها، فيجب أن ينطبق كلامه على الحالة التي يريد أن يشرحها، ولكن مثالك بعيد كل البعد عن فكرة عدل الله تعالى ورحمته.
أولا: أنت قلت في مثالك إنك استلفت من السيدة ناهد متولي ألف جنيه، يعني ذنبك يتعلق بالسيدة ناهد، فلما لم تستطع أن تدفع لها حقها اشتكتك في المحكمة عند القاضي. ولكن الحالة التي لدينا تختلف عن ذلك، إذ أن الخطأ الذي وقع فيه آدم لم يكن في حق حواء، وإنما كان في حق الله، أي في حق القاضي نفسه.
ثانيا: يبدو أن السيدة ناهد متولي غلبانة مثلك، وهي في حاجة إلى استعادة الألف جنيه من أجل أولادها، ولكن الله ليس"غلبانا"مثلكما، وليس في حاجة إلى أن يستعيد شيئا من آدم.
ثالثا: القاضي الذي في المحكمة يحكم بين طرفين أمامه، هما أنت والسيدة ناهد، فلا يستطيع أن يحكم لطرف على حساب الطرف الآخر. وأما الله فهو ليس قاضيا عادلا وحسب، وإنما هو العدل المطلق، وهو لا يحكم بين طرفين أمامه، وإنما هو خصم وحكم في نفس الوقت، وبهذه الصفة يستطيع أن يتنازل عن حقه كما فعل القاضي في مثالك يا جناب القمّص.
رابعا: قل لي يا جناب القمّص، لو أنك استلفت مبلغ الألف جنيه من ذلك القاضي الرحيم، ولم تستطع السداد، وهو يعرف حالتك ويعرف مدى عجزك عن السداد، فهل كان يحكم عليك بالسجن لعدم السداد، أم يتنازل عن حقه ويعطيك أيضا ألف جنيه أخرى لتقضي بها أمورك؟ وهل تستطيع في هذه الحالة أن تقول عنه إنه غير عادل لأنه لم يضعك في السجن، أم تقول إنه عادل ومحسن ورحيم؟
خامسا: لو كانت السيدة ناهد مليارديرة، وأنت استلفت منها ألف جنيه ولم تستطع السداد، هل كانت تطالبك بالسداد وتأخذك إلى المحكمة، أم أنها كانت تتنازل عن حقها من باب الإحسان يا جناب القمّص؟
سادسا: إن مثالك هذا يسيء جدا إلى الله تعالى، إذ يصوّره على أنه كائن أناني، يريد أن يحصل على حقه بأي وسيلة، حتى ولو اضطر أن يضحي بابنه الوحيد.
سابعا: استدلالك بأن الله لا يعود في كلامه أبدا، وأنه لا بد أن ينفذ عقابه لأنه ملك الملوك ورب الأرباب، لا يقوم على أساس ويتعارض مع الحكمة. فإن الملك لا يعود في كلامه إذا أمر بالإنعام على شخص وتبين فيما بعد أنه لا يستحق، ولكن إذا أمر الملك بعقوبة فمن حقه أن يصدر أمرا بالعفو أيضا.
ثامنا: كيف تُعلّمون أتباعكم فضيلة العفو يا جناب القمّص، إذا كان من تتخيلون أنه إله محبة، لا يتنازل عن حقه أبدا إزاء إساءة من إنسان غلبان، حتى ولو اقتضاه هذا أن يسخط نفسه في شكل إنسان، أو يقتحم جسد إنسان بريء ويدفع به إلى القتل على الصليب لكي يقتص لحقه؟