فهرس الكتاب

الصفحة 933 من 4557

ولتعلم يا جناب القمّص أنه لم يكن هناك خاطئ يستحق الرحمة في قصة إبراهيم وابنه، فاستدلالك بها ليس في محله. ثم هل ما تقوله يا جناب القمّص حق أم كذب؟ هل"ما فيش إطلاقا إن ربنا.. بمجرد إن هوه (أي الإنسان) يتوب يقول له طب روح خلاص"؟. فعلا يا جناب القمّص. أنت على حق، وما تقوله هو الحق. ولكنه يختص بالمسيحية التي تؤمن بها أنت، والتي لم تأت من عند الله ولكنها من أفكار البشر، ولذلك لم يذكر العهد القديم ولا الأناجيل هذه العقائد التي تروّجها يا جناب القمّص. فلا يوجد إطلاقا في مسيحيتك أن الإنسان يتوب فيغفر له الله الغفور الرحيم، ولذلك فإنك تحاول أن تشوّه النص الذي جاء في العهد القديم والذي يقول"الرب إله رحيم ورؤوف ... غافر الإثم والمعصية والخطية" (خروج34: 6-7) ، فتقول:"هوه بيغفر، يقدر يغفر، بس لازم يِوْجد الفدا.. الحل". هذه هي الزيادة التي أدخلتها يا جناب القمّص على النص، وذلك من أجل أن تبرر الفداء، الذي تزعم أنه اقتضى التجسد، الذي تزعم أن الإله الابن قام به، وذلك من أجل أن تبرر مذهب التثليث في المسيحية التي تؤمن بها.

كلمة أخيرة أود أن أقولها عن موضوع الآية وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ[، إذ يقول تعالى:

]فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى في الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَآ أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إِنْ شَآءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ & فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ & ونَادَيْنَاهُ أَن يَآ إِبْرَاهِيمُ & قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ & إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلآءُ الْمُبِينُ & وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ[ (الصافّات: 102-107) .

إن العظيم في الأمر هو أن الله تعالى أراد أن يبين لإبراهيم وإسماعيل، وبالتالي لجميع من يأتي بعدهما، مدى إخلاص كل منهما وطاعته لله تعالى. وكان إبراهيم قد أثبت من قبل طاعته وولاءه لله تعالى، وذلك حين أمره الله أن يأخذ ابنه الوحيد اسماعيل ويتركه في واد غير ذي زرع في وسط الصحراء الجرداء، فكان هذا حكما بتعريضه للموت والهلاك، كالقتل أو الذبح، ولكن إبراهيم أطاع الأمر وأثبت ولاءه لله تعالى. وكان على إسماعيل أن يثبت أيضا نفس هذه الطاعة والولاء. فكانت الرؤيا لإبراهيم أنه يذبح إسماعيل، وهنا أثبت إسماعيل أيضا طاعته وولاءه لله تعالى بأن قال يَآ أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إِنْ شَآءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [. ولما أراد كل منهما أن ينفذ الرؤيا حرفيا، قال الله تعالى لإبراهيم ] قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَآ[، ولم يقل قد صدّقتما الرؤيا، مع أن كليهما كانا مشتركين في التنفيذ الحرفي، إذ لم يكن الغرض هو تنفيذ الرؤيا حرفيا، وإنما كان الغرض إثبات طاعة وولاء إسماعيل، أما إبراهيم، فكان قد صدّق الرؤيا من قبل، أي أنه كان قد حققها حين أطاع أمر الله بترك إسماعيل في ذلك الوادي دون ماء أو طعام، وقد أبقى الله تعالى على حياة إسماعيل، لأن من نسله سوف يأتي نبي عظيم، الذي شُبّه بالذبح العظيم، وذلك لأن الذبح قربان يتقرّب به الإنسان إلى الله تعالى، فهو وسيلة من وسائل التقرّب إلى الله، وكذلك فإن النبي العظيم الذي سوف يأتي من ذرية إسماعيل سوف يكون هو وحده الوسيلة لمعرفة الله الواحد والتقرب إليه، وهو الذي سوف يدعو البشرية كلها إلى عبادة الله الواحد الأحد، ولذلك فهو الذي يستحق أن يوصف بإنه ذبح عظيم، أي أنه قربان عظيم، أي أنه هو الوسيلة العظيمة لمعرفة الله والتقرب إليه. أما الكبش أو الخروف فلا يستحق أن يوصف بأنه ذبح عظيم، لإنه مجرد وسيلة فقط من وسائل التقرب إلى الله تعالى. وبالتالي فإن موضوع هذه القصة لا يتعلق بشيء عن موضوع الفداء الذي يتكلم عنه جناب القمص.

بقي أن أهمس في أذنك برجاء يا جناب القمّص، وهو أن تطلب ممن يعدّون لك البرامج، ويكتبون لك المواد التي تقرأها، أن يضعوا الحركات من فتح وكسر وضم وتشديد فوق الحروف حتى تستطيع أن تقرأها قراءة صحيحة، فالآية التي ذكرتها في حديثك هي فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ[، وليست"ولما وتَلَهُ للجبين"، فإن الخطأ في قراءة آيات القرآن الكريم، سواء كان متعمّدا أو غير متعمّد، فهو يؤذي مشاعر المسلمين، ولك جزيل الشكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت