فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ويضيف جناب القمّص استدلالاته العبقرية على وجود مبدأ الفداء في الإسلام، فيستشهد بما فعله عبد المطلب جد الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين نذر أن يذبح ابنا من أبنائه الذكور إذا رزقه الله بعشرة من البنين، فخرجت القرعة على عبد الله أصغر أبنائه وأحبهم إليه، فأراد أن يفديه بذبح عشرة من الجمال، ولكنه حين اقترع خرجت القرعة على عبد الله، فزاد عدد الجمال إلى عشرين وثلاثين إلى أن بلغت مائة فخرجت القرعة على الجمال، وبهذا نجا عبد الله من القتل. وجناب القمّص يرى بذكائه الخارق أن هذا دليل على وجود مبدأ الفداء في الإسلام الذي أتى به محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يكن قد ولد بعد!! أرأيتم يا حضرات المشاهدين كيف أن القمّص يلوي الحقائق ويزيفها ليخرج بالنتيجة التي يريد أن يؤيد بها فكره الذي لا يقوم على أساس ولا منطق؟
كذلك فإنه يدّعي أن ذبح الذبائح عند المسلمين دليل على وجود فكرة الكفارة في الإسلام، وذلك لأن الذبائح تُكفّر عن الذنوب، حيث جاء في الكتاب المقدس مبدأ"بدون سفك دم لا تحصل مغفرة". وحينما نتقصّى عن ذلك المبدأ العجيب، نجد أن الله لم يعلمه لآدم، ولم يعلمه لنوح، ولم يعلمه لإبراهيم، ثم أنزل على موسى التوراة ولم يذكر فيها هذا المبدأ العجيب، ولم يعلمه لأحد من الأنبياء بعد موسى، ولم يعلمه حتى للمسيح، ولم يعلمه أيضا لتلاميذ المسيح، وإنما عُثر على هذا المبدأ في رسالة من مؤلف مجهول، لا يُعرف من كتبها على وجه التحديد، ولو أن البعض يقول إن بولس هو الذي كتبها، ولكن هناك أدلة على غير ذلك. وليس هذا كلامي يا جناب القمّص، فأنا لا آتي بشيء من عندي، ويمكنك أن تراجع نسخة الكتاب المقدس الأمريكي الجديد The New American Bible، المطبوع في نيويورك في 27 يوليو (تموز) عام 1970، ويحمل موافقة رئيس أساقفة واشنطن، لتعلم يا جناب القمّص أن رسالة العبرانيين مجهولة المصدر. وهذه هي الرسالة التي جاء فيها هذا المبدأ العجيب:"بدون سفك دم لا تحصل مغفرة"، وكأن الله، تعالى عن ذلك، كان مثل دراكيولا، متعطشا للدماء، فلا يعفو ولا يغفر إلا إذا سفك له الإنسان دماء ضحية بريئة، ولذلك فهو أيضا لا يستطيع أن يعفو ولا يغفر إلا إذا سفك دماء ابنه البريء!!
ألا فاعلم يا جناب القمّص أن الذبيحة في الإسلام تُسمّى"قربانا"، لأنها وسيلة للقرب من الله تعالى، والإنسان حين يذبح الضحية فكأنه يقول يا رب إني أموت عن خطاياي كما تموت هذه الضحية، ومنذ الآن فإني أبدأ صفحة حياة جديدة في طاعتك، حياة تقوم على البر والتقوى وعمل ما تحب وترضى. فليس ذبح الضحية في حد ذاته هو الذي يأتي بالمغفرة، وليس في دم الضحية من شيء يستجلب المغفرة من الله تعالى، وإنما العمل الذي يقوم على التقوى هو الذي يتقبله الله. ولذلك يقول تعالى عن هذه الذبائح والأضحيات { لَن ينَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَآؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتَكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ[ (الحج:37) . وفي قوله تعالى سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } قاعدة تنسف نسفا فكرة الفداء التي تقوم عليها المسيحية الباطلة. فالآية الكريمة تقرر أن الله تعالى سخّر لنا هذه الحيوانات، وجعلها في خدمتنا وتحت تصرّفنا، لأنه كرّمنا وجعلنا أفضل منها، ولذلك فقد وضع الله تعالى مبدأ التضحية بالأدنى في سبيل الأعلى والأعظم. فالأمّة إذا تعرضت للعدوان تضحّي ببعض أبنائها في الحرب في سبيل مصلحة الأمّة والحفاظ على كيانها، ولكن الإنسان الذي يضحّي بالأمة في سبيل مصلحته يُعتبر خائنا. كذلك فإن المرء إذا أصاب إصبعه تسمّما يهدد سلامة اليد، فقد يضطر إلى التضحية بالإصبع ويبترها في سبيل المحافظة على اليد، ويضحي باليد في سبيل المحافظة على الذراع، ويضحي بالذراع في سبيل المحافظة على الجسد، ولكنه لا يضحي برأسه في سبيل المحافظة على إصبعه، إذ لا يفعل ذلك إلا المجانين أو من يريدون الانتحار. فالله تعالى سخر هذه الحيوانات التي هي أدنى من الإنسان لكي تكون وسيلة يتقرّب بها إلى الله، ويتعلم أن يضحي بشهوات نفسه، التي هي أدنى، في سبيل الحصول على رضا الله تعالى الذي هو أعلى وأعظم وأكبر من الإنسان، فقال لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ[.
هذه هي فلسفة التضحية والفداء في الإسلام يا جناب القمّص، وليست هي في سفك الدماء لإله متعطش للدماء، لا يغفر إلا إذا سُفك الدم. كذلك فإن مبدأ الفداء الذي تقوم عليه مسيحيتك يقلب الأمور، ويجعل التضحية بالأعلى في سبيل الأدنى، أي تضحية ابن الله البريء من أجل الإنسان الخاطئ. وأنت تسمّي هذا محبة، ويكررها قساوسة المسيحية في كل مناسبة، للتدليل على محبة الله للإنسان، مع أن التضحية بالأعلى من أجل الأدنى يدل على الخبل والجنون والخيانة.