فهرس الكتاب

الصفحة 937 من 4557

وبعد أن نسب جناب القمّص إلى الله تعالى أنه قضى بالموت والعذاب الأبدي في جهنم النار الأبدية على كل البشرية، يقول إن الله يريد أن يغفر للبشرية، ولكنه لا يستطيع ذلك لأنه لا بد أن ينفذ العدل أولا قبل أن يرحم ويغفر، فلا بد أن يجد فاديا يُنفذ فيه حكم الموت هذا، فيستطيع بعد ذلك أن يغفر للبشرية. ثم يتساءل جناب القمّص عن شروط هذا الفادي ويقول إن الخطية يقاس حجمها وجُرمها، وكبرها أو صغرها، بالشخصية الْمُساء إليها. ولا أعلم من أين أتى بهذه القاعدة التي لم تأت في أي كتاب سماوي أو غير سماوي، اللهم إلا الكتب التي تقوم على الأفكار الإنسانية أو الشيطانية. ثم يقدم مثالا على ذلك فيقول: لو أنه أخطأ في حق شخص عادي بسيط مثل الفرّاش الذي يعمل في مكتبه، فماذا يكون علاجها أو فداؤها؟ ورقة بخمسين جنيه أو مائة جنيه ويقول له خد دول لأولادك، اشرب بهم شاي، فيسأل الفراش: ليه يابيه عشان إيه ده يا بيه؟ فيقول له: أنا غلطت في حقك يا ابني وشتمتك، فيقول: ياريت تشتمني كل يوم يا بيه. ثم يقول: لو أنا ارتكبت الجرم ده نفسه أو قلت الشتيمة دي ضد رئيسي أنا، أقوله خد الميت جنيه دول؟ طبعا لأ، العملية كبرت. ولو أنا أخطأت بنفس الجرم ده ضد رئيس الجمهورية؟ فتقول السيدة ناهد متولي: تروح ورا الشمس. فيضحك الإثنان ثم يقول جناب القمّص: فلما الخطية كبرت، كبرت بحجم من يُساء إليه وقيمة من يُساء إليه. طب تعالوا بقى للي يغلط في حق ربنا، أي إنسان مهما كان برضه ولو رئيس جمهورية برضه محدود، لكن الله غير محدود، يبقى الخطأ اللي في حقه يكون إيه؟ غير محدود. ما هو أي حاجة مضروبة في ما لانهاية تبقى ما لانهاية. يبقى خطيتي واحدة في حق الله غير المحدود أصبحت خطية غير محدودة تستوجب عقوبة غير محدودة، موت أبدي. طب لما نيجي نفديها بقى نفديها بفادي شكله إيه؟ غير محدود أيضا. ثم يقدم مثالا آخر فيقول للسيدة ناهد: يعني لو أنا أخدت منك عربية رولزرويس وخبطتها في شجرة، أروح أجيب لك عربية فيات وأقولِك معلش خدي العربية دي بدالها؟ ما ينفعش. العربية رولزرويس تفديها بعربية رولزرويس. خطية ضد الله تبقى محتاجة إلى فداء غير محدود على قد الله، الأمر المستحيل إنه يبقى فيه فادي على الأرض غير محدود، يبقى فيه لازمة إن الله الغير محدود هوه اللي يفدينا، هوه بنفسه اللي يفدي. يبقى ده أول شرط إن الفادي يكون غير محدود، لأن الخطية غير محدودة، وعقوبتها غير محدودة، وفداءها لا بد أن يكون غير محدود، ولا يوجد غير محدود إلا الله، ومن هنا كانت حتمية تجسد الله في المسيح.

أرأيتم يا حضرات المشاهدين كيف أن جناب القمّص يقدم أفكارا تبدو أنها صحيحة، ولكنها تقوم على أساس خاطئ، ولا تجد لها تأييدا لا في الواقع ولا في أي كتاب سماوي، ثم يخرج منها بقاعدة يبني عليها عقيدة خطيرة. ونريد أن نسأل جناب القمّص ما يلي:

أولا: من أين أتى جنابه بهذه القاعدة القمّصية، وهي أن الخطية تقاس بحجم وقيمة من يُساء إليه؟ هل هي موجودة في التوراة أو في الأناجيل الأربعة أو في القرآن الكريم؟ وإذا كانت موجودة، فلماذا لم يذكر لنا ولا مرجع واحد يؤيد به كلامه؟

ثانيا: هل تتفق هذه القاعدة التي اخترعها مع قواعد العدل الذي كان يحدثنا عنه؟ وهل تأخذ الحكومات بهذه القاعدة القمّصية عند وضع القوانين، فنجد مثلا قانونا يقول إذا أنا سرقت من إنسان غلبان عشرة جنيه كانوا كل ما يملكه، فيُحكم عليّ بست شهور سجن، أما إذا ارتكبت نفس الجرم وسرقت عشرة جنيه من جناب القمّص، فيُحكم عليّ بست سنين سجن؟ هل هذا هو المنطق الذي تدّعي أنك تكلم به عقول الناس في القرن الواحد وعشرين يا جناب القمّص؟

ثالثا: هل إذا حملت ابنك وليدك فبال عليك وبللك، فهل تعاقبه أم تعطيه لأمه كي تغير له ملابسه؟ فإذا جئت أنا وفعلت نفس فعل وليدك عليك، فهل يكون تصرفك هو نفس تصرفك تجاه وليدك، مع أن الفعل واحد في الحالتين، والْمُساء إليه واحد أيضا؟ وهل تتوقع من الملك الذي يبلله وليده أن يصدر مرسوما ملكيا بإنزال العقوبة عليه، أما إذا بلل أحدا من الخدم فلا إثم عليه؟ وألا ترى أن الملك الذي يأخذ بالقاعدة التي اخترعتها يكون سفيها أو مجنونا؟ يا سيادة القمّص؟

رابعا: في مثال العربية الرولزرويس، أنت أسأت إلى السيدة ناهد متولي وعانت هي خسارة حين حطمت سيارتها، فمن العدل أن تعوضها بمقدار الخسارة التي عانتها بسببك. ولكن هل نسيت يا جناب القمّص أن الله لا يعاني من أي خسارة إذا أخطأ الإنسان، ولا يستفيد شيئا من طاعته؟ أم أن فكرة التجسد التي ملكت عليك تفكيرك جعلتك تظن أن الله زي حضرتك، تضيق حكمته ويتدنى تفكيره إلى مستوى تفكيرك وحكمتك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت