فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
خامسا: ألم يخبرك أولئك الذين يكتبون لك المواد ويعدون لك البرامج أن هناك حديثا قدسيا يقول:"يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضُري فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد هذا في مُلكي شيئا. يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من مُلكي شيئا"؟
هذا يا جناب القمّص هو الإله الحق الذي يستحق العبادة، هذا هو إله الإسلام وإله المسيحية الحقة وإله الأديان كلها، فهو الله تعالى رب العالمين. هذا هو الرب الذي أمر موسى بعبادته وقال يخاطب شعبه:"اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد" (تثنية4:6) ، وهو نفس الرب الذي سجد له السيد المسيح وقال إن أعظم الوصايا هي أن تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك. هذا هو الرب الإله الحكيم، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول. وأما الإله الذي اخترعتموه فلا وجود له في هذا الكون، إلا في مخيلة أولئك الذين ضلوا عن الله الواحد الحق، فلا يمكن أن يكون هذا إله محبة، الذي يعتبر أن خطيئة إنسان محدود، خطيئة غير محدودة.
أفق يا جناب القمّص، أفق فإنك في القرن الواحد والعشرين، ولست في زمن بولس الرسول، فلا تنسب إلى الله ما تستحي أن تتصف أنت به من سوء الفكر وقسوة الحكم.
تكلمنا في الحلقات الماضية عن الخلل في عقيدة الفداء في المسيحية، وهي التي تقوم على أن آدم أخطأ فحكم الله عليه بالموت، وتبين فيما بعد أن هذا الموت لا يعني انتهاء الوجود وحسب، وإنما يعني الانفصال عن الله، والخزي والعار، والعذاب الأبدي في نار جهنم الأبدية، وأوضحنا أن هذا يتنافى مع العدل، لأنه من مقتضيات العدل أن يكون القانون واضحا، فلا تكون مثلا عقوبة مخالفة إشارة المرور 100 جنيه، ثم يفاجأ الجاني بأن الغرامة تحتوي أيضا على أنه يجب أن يدفع ألف جنيه إضافية ويُباع بيته ويُفصل من عمله. وعلى هذا، إذا افترضنا أن آدم قد أخطأ، وكان قد قيل له إن عقوبة الخطية هي الموت، لكان من العدل أن لا يُفجأ بعد ذلك بأن عليه أن يُطرد من الجنة، ويعيش كل أيام حياته في تعب وهَمّ، وأن لا يأكل إلا شوكا وحسكا وعشب الحقل، ويأكل خبزه بعرق جبينه، وأيضا زوجته حواء تُطرد هي الأخرى من الجنة، وتُكَثّر كثيرا أتعاب حبلها، وتلد بالوجع وبآلام شديدة، ثم بعد كل هذا يموت أيضا كل منهما. ولا يُكتفى بكل هذا الظلم فحسب، بل يتبين أن هذا الموت ليس هو نهاية لوجودهما، وإنما عليهما أن يعيشا إلى أبد الآبدين يتعذبان في أتون جهنم النار الأبدية. وكأن كل هذا الظلم لم يكن كافيا فطبقه الله على كل البشرية بأكملها. وقد ذكرنا أن هذه القسوة لا تليق بالله تعالى الرحيم الرؤوف الذي يصفه الكتاب المقدس فيقول:"الرب إله رحيم ورؤوف بطيء الغضب وكثير الإحسان والوفاء، حافظ الإحسان إلى ألوف، غافر الإثم والمعصية والخطية" (خروج6:34) . وهذا يتناقض تماما مع تفسير جناب القمّص زكريا بطرس للموت، والذي معناه الحياة الأبدية في تعذيب مستمر في جهنم النار الأبدية.
ثم أوضحنا بعد ذلك أن العدل لا يعني حتمية تنفيذ العقوبة، وإنما العدل هو ألا يصدر الحكم أساسا إلا بعقوبة تتناسب مع حجم الجرم الذي ارتُكِب. أما تنفيذ الحكم أو عدم تنفيذه، فهذا يتوقف على الحكمة، فإن كان من الحكمة تنفيذ الحكم لأن في هذا إصلاح للجاني وحماية للمجتمع، فيجب تنفيذ الحكم، ولكن إذا كان الجاني قد انصلح وكان تنفيذ الحكم سوف يؤدي إلى فساد أكبر من فساد الجاني فمن الحكمة عدم تنفيذ الحكم. ولكن للأسف رأينا أن المسيحية بعد أن حادت عن الطريق المستقيم الذي جاء به السيد المسيح صلى الله عليه وسلم ، قد دخلها التحريف والتزوير والأفكار البشرية، وكان كل هَمّ قساوستها من أمثال القمّص زكريا بطرس أن يخدعوا العامة من الناس ببعض الألفاظ الخاوية عن محبة الله، فينفخوا في حجم العقاب ويشددونه بقسوة يخجل منها أسوأ الظالمين والمستبدين، وذلك لكي يقولوا بعد ذلك إن إله المحبة رفع عنكم كل هذا العقاب، وفداكم بأنه أرسل ابنه الوحيد لكي يموت على الصليب ويحمل عنكم كل هذه اللعنات التي نزلت على رؤوسكم.