فهرس الكتاب

الصفحة 939 من 4557

وأوضحنا بعد ذلك أن الرحمة لا تتناقض مع العدل، فإن العدل من الرحمة، ولكن الرحمة أعم وأشمل وأوسع من العدل، وذكرنا أن الصورة التي يرسمها دعاة المسيحية المحرّفة عن الله تعالى صورة سيئة للغاية ومخزية، إذ يقدمونه على أنه إله تتناقض صفاته مع بعضها البعض، ولا يستطيع أن يمارس صفة الرحمة لأن صفة العدل تمنعه من ذلك، فرغم أنه إله رحيم إلا أنه لا يستطيع أن يرحم إلا إذا أشبع صفة العدل أولا. وقلنا إن هذه الصورة القبيحة تجعل من الله تعالى، والعياذ بالله، مثيلا للمدمنين على المخدرات والسكارى والمقامرين، الذين يريدون أن يتوقفوا عن فعل هذه المساوئ، ولكنهم لا يستطيعون أن يمارسوا إرادتهم ولا أن يتحكموا في صفاتهم الإنسانية النبيلة، وذلك لأن الصفات التي اكتسبوها بحكم العادة تتحكم فيهم وتمنعهم من ذلك، فتعالى الله عما يصفون.

وقد ذكرنا بعد ذلك أن ما يقوله دعاة المسيحية المحرّفة من أمثال القمّص زكريا بطرس عن استحالة امتناع الله تعالى عن تنفيذ حكم العقوبة، إنما هو كذب وافتراء على الله تعالى. وقدمنا أمثلة من العهد القديم ومن الأناجيل على أن الله قد امتنع عن تنفيذ حكم بإهلاك بني إسرائيل الذين عبدوا العجل، وذلك بعد أن تشفّع لهم موسى صلى الله عليه وسلم ، وأيضا امتنع عن تنفيذ حكم العقوبة بتدمير مدينة نينوى بعد أن تاب أهلها، وإصحاح 18 من سفر حزقيال زاخر بالمواقف التي يذكرها الله تعالى بأنه لا ينفذ حكم الموت إذا تاب المخطئ ورجع عن طريق الشر. وأيضا في الأناجيل رأينا أن المسيح نفسه، قبل واقعة الصلب المزعوم عندما كان لا يزال تحت حكم الشريعة، قد امتنع عن تنفيذ الحكم في امرأة قُبض عليها وهي تزني، وأوصى أتباعه أن يغفروا ويسامحوا بعضهم البعض، وقدم لهم مثالا عن ملك تنازل عن كل الديْن الذي كان له عند أحد عبيده، وحثّهم على أن يتصرفوا على هذا المنوال.

بعد هذا طلع علينا جناب القمّص باختراع جديد، وهو أن حجم الجريمة لا يقاس بمقدار الضرر الناتج عنها للمُساء إليه، كما هو الحال في جميع القوانين في العالم، وكما هو الحال أيضا في تصرفات جميع الناس مع بعضهم البعض، وإنما يقاس حجم الجريمة بقيمة من يُساء إليه. وخرج من هذا بنتيجة عجيبة وهي أن الفداء عن الجريمة يجب أن يتناسب مع قيمة المُساء إليه. والمثال الذي قدّمه هو أنه لو أخطأ في حق الفراش الذي يعمل في مكتبه فيمكن أن يعوّضه بخمسين أو مائة جنيه تكفيرا عن خطئه، ولكن إذا ارتكب نفس الخطأ في حق رئيسه يكون حجم الخطأ أكبر، وإذا ارتكب نفس الخطأ في حق رئيس الجمهورية يكون الخطأ أكبر وأكبر، وإذا كان الخطأ في حق الله يكون حجم الخطأ غير محدود لأن الله غير محدود، وبالتالي يجب أن يكون التعويض أو الفداء غير محدود. وهكذا يتبين أن جناب القمّص يخترع حكايات وحواديت قد تبدو أنها معقولة للوهلة الأولى، ولكنها لا تقوم على أساس سليم، ثم يبني على هذه الحكايات والحواديت نتائج خطيرة وعقائد هامة. وقد أوضحت لجناب القمّص الخلل في تفكيره، وذكرت له لو أنه كان يحمل وليده فحدث أن بال عليه وبلله فماذا يكون تصرّفه؟ سوف يعطيه لأمه لتغير له ملابسه. فهل إذا قمت أنا بنفس الفعل الذي قام به وليده، فبللته، أي أن الفعل واحد في الحالتين والْمُساء إليه واحد في الحالتين، فهل يتساوى الخطأ في الحالتين؟ وإذا وقع نفس الخطأ من وليد الملك فبلله، هل يصدر مرسوما ملكيا بإلقاء وليده في السجن لأن قيمة الْمُساء إليه الآن أصبحت أكبر وأعظم من قيمة جناب القمّص؟

لقد خرج علينا جناب القمّص نتيجة لهذا الفكر الفاسد بقاعدة وهي أن حجم الخطأ يُقاس بقيمة من يُساء إليه، وذلك لأنه بطبيعة الحال يريد أن يدلل على ضرورة أن يتجسد الله في المسيح، فلا بد أن ينفخ في حجم الخطأ الذي ارتكبه الإنسان، فيصل به إلى أنه خطأ غير محدود لأن الله غير محدود، وبالتالي لا بد أن يكون الفداء غير محدود أيضا، وحيث إنه لا يوجد غير محدود إلا الله تعالى، فلا بد أن يتجسد الله بنفسه ويقتحم جسد إنسان لكي يَصلُح أن يكون هو الفداء المطلوب. وهكذا يضع جناب القمّص القواعد والقوانين، ويضع القانون الأول وهو أنه يُشترط أن يكون الفادي غير محدود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت