فهرس الكتاب

الصفحة 940 من 4557

ويستمر جناب القمّص في سلسلة أحاديثه بتقديم سلسلة أخطائه، فيقول إن الشرط الثاني الذي يجب أن يتوفر في الفداء هو أنه ينبغي أن يكون من جنس الخاطئ، أي لا بد أن يكون إنسانا. وكعادته عندما يبتكر لنا قواعد من أعماق مخه وتفكيره، أو من تفكير من سبقوه من الضالين عن طريق المسيح المستقيم، فإنه لا يقدم لنا شواهد من الكتاب المقدس ليدلل بها على صحة منطقه، وإنما يعطينا أمثلة ويقص علينا حكايات وحواديت. والمثال الذي يقدمه هذه المرة هو أنه لو أخذ من السيدة ناهد متولي عربية رولزرويس وخبطها في شجرة فيجب أن يقدم لها عربية رولزرويس ولا يقدم لها عربية فيات أو نصر أو رمسيس، وأنه إذا كسر لها نجفة فيجب أن يعوّضها بنجفة ولا يكتفي بأن يعطيها لمبة، أي أن الفداء يجب أن يكون من جنس المفدي عنه. ورغم أن استدلاله يبدو صحيحا للوهلة الأولى إلا أنه لا ينطبق على الله تعالى. صحيح إذا تسبب إنسان في خسارة لإنسان آخر فيجب أن يعوّضه عن خسارته بنفس قيمة الخسارة التي لحقت به، ولكن جناب القمّص نسي أنه حينما يخطئ الإنسان في حق الله تعالى فإنه لا يُلحق بالله أي خسارة، وإنما الخسارة تصيب الإنسان نفسه. فمثلا، إذا قلت لك يا جناب القمّص، لا تمش في الطريق المعوج الذي تمشي فيه، لأن فيه حُفر وعقارب وثعابين سوف تضرّك، ومن الأفضل لك أن تمشي في هذا الطريق المستقيم الذي يوصلك إلى غايتك، ولكنك بعنادك المعروف وإصرارك على ارتكاب الخطأ عصيت أمري وأصررت على مشيك في الطريق المعوج، فكانت النتيجة أنك وقعت في حفرة وقطمت رقبتك، وجاءت العقارب لتأبرك وأخذت الثعابين تنهش في جسمك وتتلذذ بأكل لحمك السمين الطري. فهل تضررت أنا بعصيانك أم أنك أنت الذي أسأت إلى نفسك بعنادك وإصرارك على السير في الطريق المعوج؟ هكذا أيضا الحال مع الله تعالى. وقد ذكرت لك الحديث القدسي الذي يقول:"يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضُري فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي: لو أنّ أولَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد هذا في مُلكي شيئا. يا عبادي: لو أنّ أولَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص ذلك من مُلكي شيئا". وهكذا ترى يا جناب القمّص أن الشرط الثاني الذي اشترطت وجوده في الفادي الذي زعمت ضرورة وجوده، لا أصل له ولا محل له من الإعراب.

ثم نأتي إلى الشرط الثالث الذي اشترطه جناب القمّص في الفادي المزعوم فيقول إنه يجب أن يكون طاهرا خاليا من الإثم، وحيث إن الأرض كلها خلت من الطاهرين حسب زعمه، فلا بد أن يكون المسيح وحده هو الإنسان الطاهر الأوحد لكي ينطبق عليه سيناريو الفيلم الذي يؤلفه لنا دعاة المسيحية الفاسدة. والغريب أن جناب القمّص يستدل من القرآن الكريم على طهارة السيد المسيح، وربما يكون هذا هو الأمر الوحيد الذي نتفق فيه مع جناب القمّص، ولكن نختلف معه في أن يكون المسيح وحده من دون الناس هو الطاهر الأوحد، وإنما جميع الأنبياء طاهرون وخالون من الإثم والمعصية التي تُرتكب بقصد التمرّد على أمر الله، أو الخروج المتعمّد على وصايا الله بقصد المعصية، وهذه هي المعاصي والذنوب التي تستجلب غضب الله تعالى، وأما ما يرتكبه الإنسان من خطأ دون قصد أو بغير سوء نية فلا يستجلب غضب الله تعالى، فهو سبحانه عليم وحكيم، فهو يعلم ما في القلوب، وهو حكيم يحاسب الناس على حسب نياتهم، وليس هو كذلك الإله الغليظ القاسي الذي يحاسب الإنسان على أول هفوة فيحكم عليه بالعذاب الأبدي في نار جهنم الأبدية. وسوف يتولى بعض الأخوة الرد على ما زعمه جناب القمّص من أن البشر جميع خطاة بما فيهم الأنبياء والقديسون، وسوف يبينون له وللمشاهد الكريم الخلل أيضا في هذا التفكير. ولكن دعونا الآن نحلل ادعاءات القمّص بأن المسيح لم يخطئ ولم يرتكب أي إثم، وليكن ذلك من الأناجيل وليس من القرآن الكريم الذي يشهد بعصمة وطهارة جميع الأنبياء.

أولا: يدّعي جناب القمّص أن المسيح بدون خطية لأنه وُلد من العذراء مريم، فالكتاب يقول عن مريم"روح الله يحل عليكِ وقوة العليّ تظلّلُكِ". والسؤال يا جناب القمّص هو: أنت تؤمن بأن كل من وُلد من ذرية آدم كان خاطئا لأنه ورث الخطية، وبالتالي كانت مريم أيضا حسب مفهومك مولودة بالخطية، وبالتالي فإن من يولد منها لا بد أيضا أن يكون مولودا بالخطية. فهل إذا حلت عليها روح الله وظللتها قوة العليّ تصبح طاهرة ويمكن أن تلد إنسانا طاهرا؟ إن قلت لا، يكون المسيح مولودا بالخطية ولا يصلح للفداء لأنه ليس طاهرا، ولا أظنك تقول بهذا. وإن قلت نعم، فإنك تنسف مبدأ الفداء والتجسد المزعوم، لأنه كان من الممكن أن تحل روح الله على آدم وتظلله قوة العليّ، وتنتهي المشكلة حيث بدأت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت