دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 ص 20
الإستاذ: أبو الأعلى المودودي - أمير الجماعة الإسلامية باكستان
تعريب: محمد عاصم الحداد
"إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة: 62)
مما لا ريب فيه أن قد وجد في كل زمان أناس حاولوا التحريف المعنوي لآيات القرآن بصرف أحكامها الواضحة المحكمة وإنزالها على أهوائهم أو ميول ومطالب أحبابهم أولياء نعمتهم. إلا أن التحريف المعنوي الذي قد دهمنا في هذا الزمان للآية المذكورة أعلاه، لعل التاريخ لم يشهد تحريفا أكثر منه شناعة وتضليلا. فالذي تشتمل عليه التحريفات الأخرى في معظمها هو تأويل الأحكام بقطع الآيات من أخواتها في السياق، وسلخها مما قبلها وما بعدها أو هي تقصد الضرب على جزء من أجزاء تعاليم الإسلام. أما هذا التحريف الجديد، فالمقصود من ورائه استئصال الأساس الذي عليه يدعو القرآن الكريم أهل الأرض جميعا إلى صراطه المستقيم، بل فوق هذا، يريد أن يزعزع القاعدة الكلية التي سنها الله سبحانه وتعالى لهداية هذا النوع البشري ومازالت تجري تحتها سلسلة بعث الرسل وتنزيل الكتب منذ بدء الخليقة إلى البعثة المحمدية على صاحبها ألف تحية وسلام.
والحقيقة أن هذا التحريف قد أسدى إلى روح الضلال خدمة كان قد عجز عن مثلها أكابر أئمة الضلال والكفر على بعد نظرهم ومضاء تلبيساتهم وتجاربهم، إذ هو يزود -في جانب- غير المسلمين بدليل من القرآن نفسه على عدم احتياجهم إلى قبول دعوته إلى الحق، ويأخذ -في الجانب الآخر- بيد المنافقين والدخلاء في الجماعة الإسلامية من الذين يتململون دائما للتقصي عن قيود الإسلام وحدوده حتى ينالوا الرخصة بلسان القرآن نفسه في رفع الامتياز القائم بين الكفر والإسلام، ويزلزل -في الجانب الثالث- إيمان المؤمنين المتبعين للقرآن والسنة في داخل الجماعة الإسلامية، حتى ليأخذهم الشك بان الإنسان ما دام من الممكن له أن يستحق النجاة ولو بإنكاره القرآن والسنة النبوية، وانه ما لم تكن له من حاجة إلى الإيمان بكتاب ولا برسالة، فمن العبث أن يتقيدوا بحدود الإسلام إذ لا فرق البتة بين كومنهم مسلمين أو يهودا أو نصارى أو صابئين أو هناك أو غيرهم.
وجملة القول أن هذا التحريف هو ضربة معلم ( Master STOKE) تتعاور الإسلام بسهامها المسمومة من الخارج والداخل معا. فليفرح الذكاء الذي استخرج من كتاب الهداية هذا السلاح القوي للغواية، ولعله اكبر افتراء على القرآن ما رأت عين السماء تحريفا أشنع منه في أي عصر من عصور الإسلام الماضية.
اتفق لي أن أشاهد عدة مظاهر لهذا التحريف وقد وجدت المثقفين الجدد أصبحوا ضحاياه بصفة خاصة، وكتب إلى كثير من قراء مجلة"ترجمان القرآن"يشكون ما قد أذاع هذا التفسير الجديد من أنواع الاغلوطات والشكوك في عامة المسلمين، كما أني وجدت كثيرا من مشاهير غير المسلمين يحاولون استغلال هذا التفسير لإغراضهم المخصوصة، فرأيت من الواجب على نفسي أن أقوم بتحديد المفهوم الصحيح لهذه الآية وارد بالقرآن نفسه المعاني الغريبة التي قد حيكت من حولها بغاية من الدهاء والمكر، لان القائل إذا شرح قوله بنفسه فليس من حق غيره أن يلبس قوله معنى غير معناه:
فالذي يجب قبل كل شيء آخر بهذا الصدد أن نعنى بتجزئة هذه الآية ونحدد المعنى لكل لفظة من ألفاظها بصفتها المستقلة ثم نرى كيف جاء تفصيل موضوع في هذه الآية في مواضيع أخرى من القران:
(1) قيل أولا"إن الذين آمنوا ....""ثم واليوم الأخر ..."، فمن هنا ينشأ السؤال: ما المراد بإيمان من قد آمنوا؟ الظاهر انه لو كان المراد"بالذين آمنوا"الدين يومنون بالله واليوم الآخر من ذي قبل، لكان من اللغو أن يقال بالنسبة لهم"من أمن"