فهرس الكتاب

الصفحة 3402 من 5287

دعوة الحق، س.4، ع8 /ماي 1961 ص 21

للأستاذ: محمد الطنجي

الضيافة خلق من أنبل الأخلاق الإنسانية وأجمل الآداب الإسلامية .. هو أكرام واعتناء وإيثار ووفاء، ومواساة لأصحاب الرحلات والسياحات من الضعفاء، ورعاية للعلماء والكبراء .. وقد لعبت الضيافة دورا هاما عند الأمة العربية في الجاهلية والإسلام، شاعت في الأمة العربية مآثرها، وتأصلت بين أكنافها منابتها، فكانت الضيافة منذ أقدم العصور وثيقة الصلة بالأرومة العربية، تغنت بفضائلها الشعراء، وأثنى على المتخلقين بها البلغاء، فلما بعث رسول الإسلام متمما لمكارم الأخلاق سار على نسق تتميم هذه المكارم عمليا فلم يزد هذا الخلق الكريم غلا تحبيذا وتنويها، وحضا عليه وتنبيها، وطبعه بطابع الإيمان الخالص الذي جعله شعارا يتحلى به صادقو الإيمان حيث قال (من كان يومن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) حديث متفق عليه .. وقال عليه السلام (يا أيها الناس افشوا السلام، وصلوا الأرحام، واطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) أخرجه الترمدي وصححه ... وهذا حديث جامع لوسائل التقرب والتحبب إلى الناس وإلى الله بإتيان ما يحبه الله ويرضاه من مكارم الأخلاق، وبمناجاته والخضوع له في وقت غفلة الناس ونومهم بوجه خاص.

وكان من البواعث عند العرب على اكرام الضيف الرغبة في المحمدة، وخوف الجفاء والمذمة كما قال الشاعر ..

(واعلم بأن الضيف يو ما سوف يحمد أو يلوم)

وقال قيس بن عاصم الصحابي الذي ذكر الأحنف المشهور أنه منه تعلم الحلم، قال قيس رضي الله عنه:

(وأني لعبد الضيف من غير ذلة

وما في الأذاك من شيمة العبد)

وقال القاضي عياض في شرح مسلم: (والضيافة من آداب الإسلام، وخلق النبيئين عليهم الصلاة والسلام، ولا تجب عند الأكثر لقوه فليحسن وليكرم، وهذه لا تستعمل في الواجب) ثم يقول عياض (واختلف في المطلوب بها فقال الشافعي وابن عبد الحكم: هي على الحاضر والبادي وقال مالك وسحنون: لأن في الحضر مرتفقا فندقا وسوقا، وقد تتعين كما فيمن اجتاز وخيف عليه) .

فهذا الإكرام من مكارم الأخلاق المطلوبة على العموم في شريعة الإسلام وعلى الخصوص في حق الضيف وفي قوله عليه السلام (أطعموا الطعام) حيث لم يخصصه بأفراد ذوي أوصاف خاصة، من فقر وشبهه، ما يؤكد مطلوبية تعميمه في حق الغني والفقير المسلم وغيره، وقد كانت عادة قريش قبل الإسلام إطعام حجاج بيت الله وسقايتهم بصفة جماعية، كما هو معروف ويشير إليه قول الله تعالى أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام إلى آخر الآية، واستمر ذلك مدة طويلة في عهود الإسلام، كما ذكرت ذلك في بحث خاص نشر بمجلة (دعوة الحق) ، وإن كان حجاج بيت الله الآن تفرض عليهم ضرائب خاصة لم يبق لها الآن مع غنى ولاة الحرم بدخل البترول أي مبرر ولا شبهة ... وقد اتخذ موضوع إكرام الضيوف صبغة خاصة في عهود من تاريخ الإسلام عبر عنه في بعض الأوقات بالفتوة التي هي ظاهرة في النجدة وإغاثة الملهوف، والعفة والطهارة، وبذل المعروف. قال ابن مفلح المقدسي في الآداب الشرعية:) ذكرت الفتوة عند سفيان الثوري فقال: ليست الفتوة بالفسق والفجور، ولكن الفتوة كما قال جعفر بن محمد، طعام موضوع، وحجاب مرفوع، ونائل مبذول، وبشر مقبول وعفاف معروف، وأذى مكفوف ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت