فهرس الكتاب

الصفحة 1871 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع 3 /أكتوبر 1959 ص 23

…للأستاذ عبد الهادي الهراس…

إن الأمة المتحضرة حقا، هي التي تملك من الفكر والوسائل ما هو كفيل بمعالجة مشاكلها وحسمها والسيطرة عليها متصدية لذلك بدافع من عقيدتها، وفلسفتها الخاصة، وتقاليدها الصالحة، وثل هذه الأمة الواعية لا تدع لأي عنصري أجنبي مجالا للتدخل بينها وبين تشخيصها لأمراضها، أو لأن يفرض عليها بأي لون من الألوان، حلا لا يناسبها ولا يخدم أهدافها إذ أن ذلك يزيد في شراسة المرض وتعقيد المشكلة مما يوقع الاضطراب في الأمة ويعطل سيرها وقد يزيف عليها الحقيقة"فتتقدم"بشكل سريع ولكن .. إلى الوراء.

وتلك الأمة -أي الحية- تستهدف في علاج مشاكلها المحافظة على التوازن الاجتماعي المتشبع بأفكارها ومثلها، وصيانة المجتمع لئلا يطغى جانب على حساب الجانب الآخر. وبما لديها من النضج الثقافي والنفسي، فإنها تنظر إلى المشكلة نظرة موضوعية، في إطار من علاقتها بالمشاكل والعناصر التي تساهم في معادلة المجتمع، لأن أي محاولة لتجزئة المشاكل لهي محاولة فاشلة للعلاج، وقد ينتج عن ذلك أخطار تهدد بقاء المجتمع ووجوده.

ولعل فشلنا في حسم مشاكلنا العديدة، المتراكمة، المتزايدة المتوالدة، راجع أولا إلى كوننا ننظر إليها كأجزاء مستقلة لا يربط بينها أي رابط. وراجع ثانيا إلى أننا ننظر إلى تلك المشاكل من خلال عقد نفسية خبيثة، ومن خلال أفكار"مزيفة"ألصقتها بعقلنا الباطن الثقافة الاستعمارية التي استطاعت أن توجد في بلادنا الإسلامية"مدارس"مختلفة. وإن اختلفت في وسائل التطبيق وفي كيفيته فإنها متفقة على الهدف المحدد من لدن الاستعمار بما يتعلق بالعقيدة الإسلامية هذا التحديد الذي لون تلوينا خاصا تقويمنا للأشياء وللأفكار (1) .

وما دام هذا النوع من الذاتية المريضة يكون عنصرا فعالا من عناصر تفكيرنا في مشاكلنا ويبتدع الحلول لها فإن تلك المشاكل لا يكتب لها سوى الاستمرار في التعقيد. إذن فالنظرة الجزئية، الذرية، والنظرة المزيفة عاملان أساسيان في فشل كل معالجة ولو توفرت النية الخالصة والحماس الصادق.

والمشكلة التي نحن بصدد تناولها من أبرز مشاكل المجتمعات الإنسانية وقد عولجت في بلادنا الإسلامية معالجات شتى كان أبرزها، يتسم بالعاملين السابقين مما حمل بعض زعماء شؤون المرأة في الشرق العربي على الاعتراف بالدافع الهوج لتلك الزعامة وبالنتائج الوخيمة لدعوته، وإن كان بعض المصابين بموجة تحرير المرأة على نحو يرضي انحراف غريزته لم يتحرر نفسيا من ذلك المارد الجبار -العقدة الجنسية- الذي يوحى له بمعظم ما يزعم.

ولسنا أول من تنبه لذلك بل لاحظه قبلنا متخصصون في المشاكل الجنسية (2) .

والحق أن مشكلة المرأة بالعالم الإسلامي -وخاصة بالمغرب- قوبلت بمواقف صبيانية تافهة وتركت بعد ذلك لقيادة"الزمن"الذي يملك -في اعتقادهم-

(1) راجع: «الفكر الإسلامي وصلته بالاستعمار» للدكتور البهي - وكتاب «التبشير والاستعمار في البلاد العربية» للدكتورين: الخالدي وعمر فروخ، وكتاب «مستقل الإسلام» لمالك بن نبي، و «الإسلام على مفترق الطرق» لمحمد أسد.

(2) راجع: «سيكولوجية الجنس» للدكتور يوسف مراد «اقرأ» 127، وكتاب «شروط النهضة ومشكلات الحضارة» فصل: مشكلة المرأة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت