دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 ص 34
نظر الإسلام في التمثيل والأفلام السينمائية حسب أثر ذلك في المجتمع
للأستاذ: محمد الطنجي
إن هذا الموضوع شائك، حيث أن تيار حضور الروايات التمثيلية والأفلام السينمائية غلب على جانب كبير من الجمهور، فشب عليه الصغير وشاب عليه الكهل، وقد اعتقد الكثير أن التمثيل والسينما من الفنون الجميلة في المجتمع التي يقال عنها أنها ترقى الشعور، وتهذب العواطف، وعلى هذا فالكلام عليها بالنقد للتحبيد والتزييف قد يعده البعض فضولا من القول، بل يعده نوعا من اللغو، لأن القافلة سائرة ولا تتوقف، والتيار جارف لا يوقفه صاد ولا رادع، ولكن كلامنا في هذه الأحاديث مع من يعترف بأن للإسلام مبادئ عالية تعتبر ميزانا للكرامة الإنسانية، بحيث يكون الوزن بها للترغيب في الصالح والتنقير من الفاسد تأييدا للقيم الروحية التي هي قوام رقي المجتمعات، ومن طبعت نفسه على الفطرة القويمة نظر إلى الحقائق واللباب دون القشور والمظاهر.
وعلى هذا فلا ينبغي لفقهائنا أن يبقوا جامدين أمام المصلحة، كما لا يجوز للشبان ولعموم الجماهير أن يبقوا مندفعين متهورين في ظلام المفسدة، لأن الأخلاق الفاضلة هي عصمة المجتمعات من الانحلال، كما قال الشاعر شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ومن المعلوم أن التقليد من طبيعة الإنسان، وأنه يتأثر بما يسمعه ويراه من حوادث سواء منها ما يصدر في واقع حياة الناس أو ما يفرض وقوعه وتمثل أدواره فرضا وتمثيلا يحاكي بهما الواقع في قصة ورواية تمثل ويشاهد القائمون بها على المسارح أحياء، أو تسجل في أفلام وتشاهد صورهم أشباحا.
والتقليد والتمثيل يكون في الشر ويكون في الخير ولكل حكمه، فقد كانت في الجاهلية شجرة عند العرب ينوطون بها أسلحتهم أي يعلقونها عليها تسمى ذات أنواط فقال بعض الصحابة عليه السلام اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلاها كما لهم آلهة. فهذا تقليد في الشر نهى عنه النبي عليه السلام ونفر منه.
وهناك تعليم بالمنال وارد في قصص القرءان ينبغي الاقتداء به. قال الله تعالى في قصة ابني آدم عليه السلام (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه) فقد جهل ابن آدم قابيل ما يصنع بأخيه هابيل بعد ارتكاب جريمة قتله فبعث الله هذا الغراب لتعليمه، قال أبو حيان في تفسيره: (والظاهر أنه غراب بعثه الله يبحث في الأرض ليري(أي يعلم) قابيل كيف يواري سوأة أخيه هابيل فاستفاد قابيل ببحثه في الأرض أن يبحث هو في الأرض فيستر فيها أخاه) هـ.
وعلى هذا الأساس يمكن الحكم على التمثيل والأفلام فقد تكون الرواية السينمائية علمية تفيد مشاهديها علما وخبرة في الطب أو الصناعة أو الفلاحة وطرق استصلاح الأراضي واستغلالها، وما شابه ذلك حتى أن بعض المعاهد العلمية تلقى فيها دروس علمية بواسطة التشخيص السينمائي كما أن هناك أنواعا من الروايات السينمائية أخلاقية تشيد بالوفاء والأمانة والعفة والسخاء والتفاني في خدمة المثل العليا، فالرواية العلمية والأخلاقية مفيدة وفيها مصلحة للأمة ليس فيها ما يمنعه التشريع الإسلامي الذي يدور مع المصالح الحقيقية للعباد وجودا وعدما، نعم يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الظلام كما هو الحال في المسارح سدا للذريعة، وهذا ضرر يمكن تلافيه بتخصيص جانب للنساء وحدهن وجانب للرجال وحدهم كما حصل ذلك في مدينة طنجة قديما.
ولكن توجد أنواع من الروايات هي أقرب إلى الاجرام وإفساد الأخلاق وهي روايات اللصوصية وطرق الاحتيال لسلب الأموال، وهتك الأعراض، وروايات رقصة البطن والرقص الخليع، والتهتك