فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص9
…للأستاذ: عبد الوهاب بن منصور
منذ خمسة أعوام - على ما أقدر- نشرت مقالا بمجلة (لسان الدين) التطوانية، عبرت فيه عن رأي ارتأيته، فأطلقت العنان للقلم يفصح عنه بعد أن ضاق به الصدر، وخلاصة المقال أن المستعبدين المستعمرين (بالفتح) ليسوا مسؤولين شرعيا عما يأتون من أعمال ويذرون، لأنهم في حكم المكرهين الذين لا يخاطبون بشيء من التكاليف الدينية، وقد كنت أسكن يومئذ مدينة جبلية منعزلة حللت من قلوب أهلها محلا كريما، وكان أهلها - ذكورا وإناثا- يمطرونني كلما أصبح الصباح وأمسى المساء بوابل من الأسئلة السخيفة من باب قص الشوارب وإعفاء اللحي وأكل الثوم والزيتون في ليالي رمضان، ويرغبون أن يعرفوا فيها حكم الله، والحق أن بعض تلك الأسئلة كان له جواب في كتب الفقه معروف، ولكن كان يغيظني منها أنها كانت تافهة جدا، وأن الذين يسألون عنها كانوا كمن يسأل عن القذى ويغفل عن العمود، وقد كنا يومئذ في كفاح مرير مع الفرنسيين، وكانت الأزمة في المغرب العربي كله بالغة أشدها وتنذر بشر مستطير، ولم يتقدم إلي واحد من الناس يسأل عن حكم الله في الجهاد والشهادة وإنفاق المال في سبيل الحرية، ومعاداة الأجنبي ومقاطعة أعوانه واتخاذ البطانة من غير المسلمين، ومن كثرة ما سئلت وغاظني السؤال أخذت أمسك عن الإجابة بالمرة رابئا بنفسي أن أرعى مع الهمل، ثم لم ألبث إلا قليلا حتى كونت الرأي الذي طلعت به على الناس في مقال صريح.
ومع ما كان بيني وبين الأستاذ عبد الله كنون رئيس تحرير المجلة من الود والتجاوب الروحي - ولا يزال- فإنه استعظم هذا الرأي أو استعظم على الأصح نشره في مجلة تصدر تحت مسؤوليته، ولم يشأ أن يلقي بالمقال في سلة المهملات حبا لي وكرامة، ولكنه نشره مع تعليق احترز فيه لنفسه مما فيه، وألقى تبعة الرأي علي مرتئيه، ومن الإقرار بالحق أن المقال كان فيه شيء من الجرأة، فإنه عندما نشر أثار ثائرة علماء المشرق الذين كانت المجلة تصل إليهم ولا تصل إلى علماء المغرب، لأن الاستعمار الفرنسي كان يحول بينها وبين الدخول إلى الجنوب، وكتبت حوله نقود وردود، منها واحد لأحد رجالات الأزهر نشر في المجلة نفسها بعد حين.
والحق أنني لم أقتنع بشيء من الرد ولا ثنى عناني أمر من النقد، بل بقيت مصرا على رأيي بعد الرد والنقد كما كنت مصرا عليه قبلهما، فقد كنت أرى من السخف الذي ما بعده سخف أن يهتم الناس بجزئيات بسيطة من أمر دينهم، ويهملوا القواعد الكبرى والكليات العظمى، وكنت أرى من النصح للدين وعامة المسلمين أن نوجه تفكيرهم كله ونعبئ جهودهم كلها لمحاربة الاستعمار، الذي عطل أحكام الشريعة وحال بينهم وبين ممارستها حتى في الأحوال التي يبدون الرغبة الأكيدة في ممارستها، والتقيد بها، فإذا خلصت البلاد منه أمكننا بعد ذلك أن ننظر في أحوالنا بحرية فنثبت الخير وننفي الشر، وما الجدوى من معرفة أحكام لا يستطيع الناس التحاكم بها؟ أن المعرفة ستزيد القلب هما، وخير منها الجهالة، وكأني بالسائلين يشملهم قوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ? [المائدة: 101] .
وقد رفعت القبائل البربرية العقيرة، مطالبة بإسقاط العرف وتأكيد الشرع، فكانت تقابل من المستعمرين بالاستهزاء والقمع، وبحت أصوات المغاربة مطالبة بإلغاء مفاسد المجتمع كالبغاء والخمر والقمر بدون طائل، وطالب كل الغيورين بتشديد الرقابة على الأماكن التي يختلط فيها الجنسان كالمسابح والمواسم والحدائق العامة حماية للآداب، فكانوا كمن يصيح في واد أو ينفخ في رماد. وإذن فلنوجه عنايتنا لمحاربة