فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 32
للأستاذ: محمد الطنجي
الإسلام عقيدة وقول وعمل.
وعقيدته أنزلت وقت بلوغ العقل البشري طور رشده وكماله، فجاءت بالتوحيد الخالص والتنزيه البالغ أرقى صوره وأشكاله، فكانت عقيدة روحية ترفع من قيمة الإنسان لأنها تصله بربه لتقديسه وعبادته وطاعته، والإقرار بأنه رب وإله واحد لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولا تبيح تلك العقيدة للإنسان أن يتعلق بالمخلوقات في هذه الغابات، أو يدعو ويعبد غير الخالق الأعلى، الذي أبدع بقدرته وفق حكمته جميع ما يشاهد ويحس أو يعترف بوجوده في عالم الكون.
والإسلام من جهة أخرى دين اجتماعي، يراعي حاجة البشر ومصالحهم الحيوية، فيرضيها، لكن في حدود الحق والفضيلة، وباعتبار هاتين الحقيقتين الروحية والاجتماعية أمكن للإسلام أن يقيم مجتمعات على أسس القيم الأخلاقية، وأن يرضي مطالب الروح والجسد، حتى ترافقا في اعتدال، وكونا حقيقة الإنسان المهذب أو المؤمن الكامل، وبالجمع بين السمو الروحي والتهذيب الجنسي أمكن للإسلام أن يكون دينا خالدا بخلود الإنسانية على وجه الأرض، لأنه أرضى مطالبها من الوجهة الروحية والمادية في حق وعدل ورحمة وإحسان وفضل.
وقد مرت على الإسلام زهاء أربعة عشر قرنا، حورب فيها وحارب وانتصر وانكسر، وشاهد فرقا وأحزابا تآلفت ضده واندحرت، وجمعيات سرية هدامة عملت جهدها لتشويه حقيقته وقطع حجته بوضع خرافات وأحاديث سافلة، ونسبتها إليه، وتحريف أحكامه وآياته بتأويلات فاسدة باطلة، فظهر بعد ما أصلته بنيران مكائدها ذهبا إبريزا، ودينا قويم المبادئ عزيزا، بفضل ما أبداه حفاظ السنة المخلصون، وأساطين علماء شريعته النابهون.
والحقيقة أن المفكر يقف بعد مرور هذه القرون الطوال على ظهور الإسلام معجبا بأثره في الشعوب التي اعتنقته، وكيف صبغها بصبغة الله التي هذبت النفوس من رعونتها، وطهرت القلوب من دغلها، وصقلت عقائد التوحيد الذي هو دين جميع الأنبياء من بدع الشرك والضلال، وبعثت الطمأنينة في المسلمين حتى أحسوا بضروب من السعادة في ظل دينهم، جعلتهم راضين مطمئنين، ومغتبطين بالإسلام، يفدونه بالمهج والأرواح، ولا يبغون به بديلا، أو يرضون عنه تحويلا.
وإن كل من درس التاريخ الإسلامي في مختلف بقاع الإسلام شرقها وغربها لا يجد بدا من الاعتراف بأن الإسلام حرر العقول وأطلقها من عقال الأغلال، ونفى عنها الخمول، وبنى الممالك، وأسس الدول، وأوجد الحضارات، على أسس القيم الأخلاقية والعدالة الاجتماعية.
كما أن حضارته وعلومه في مختلف فروع المعرفة التي نمت في ظله، وترعرعت تحت أحضانه وبكفالته، كانت أصلا ولقاحا لحضارة العصر الحاضر، وإذا اعترى دول الإسلام ضعف أو انحطاط في أزمنة التاريخ فذلك سنة الله في كونه، على أن شباب الأمم قد يعود على أيدي المجددين المخلصين من أبنائها.
إلا أن حضارة هذا العصر تربت في مهد غير ديني، على غير رضى من الكنيسة، فنافرت الروحيات، واعتبر بعض أهلها أن المادة هي العنصر الأساسي فيها، ويزعم المتخرجون من مدارس هذه الحضارة المادية أنه بتنظيم الحياة على أساسها يرتفع مستوى الأمة، وتستقر حياتها، ويطمئن بالها، وأن المجتمع لا يتضرر إذا أغفلت فيه القيم الروحية، أو محيت منه التقاليد الإسلامية، أو الدين بوجه أعم، ووجود هذا الاتجاه في بعض شباب الأمم الإسلامية هو من بقايا رواسب