فهرس الكتاب

الصفحة 2944 من 5287

دعوة الحق، س4، ع3 /دجنبر 1960 ص18

{هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله}

للأستاذ أبي العباس أحمد التيجاني

تسابق الشعوب إلى خلع ربقة الاستعمار من أعناقهم يعد فتحا لطريق إنجاز ما وعد به الله سبحانه من ظهور دين الحق على الأديان كلها، بيان ذلك أن الاستعمار في جوهره نظام حربي في الباطن ديموقراطي في الظاهر، ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، المحور الذي يدور عليه هذا النظام (إرادتي هي القانون) والهدف الذي يرمي إليه تذليل ظهور الأهالي وإسلاس قيادهم ليصيروا مجرد فلاحين عند الحكومة بشهادة ما كتبه مشاهير مؤرخي القوم أنفسهم، أذكر من بينهم الكاتب الكبير أوجين كاط، وأقتطف من كتابه"تاريخ إفريقيا الشمالية"ما نصه: «إن سياسة فرنسا (ولا مفهوم لفرنسا؛ أولاد عبد الواحد كلهم واحد) تحذو حذو السياسة الرومانية التي رسمت خطة لها تصيير الأهالي فلاحين وأجراء عن الحكومة» .

لذلك كان من أصول هذه السياسة ضرب نطاق الحصار على البلاد الواقعة في ثقاف جدول القوم ثم السعي كل السعي إلى إقامة نظام يضمن الراحة والهناء للدخلاء وأعقابهم وأعقاب أعقابهم، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى إخماد كل ما من شأنه أن يحفظ للأهالي تقاليدهم ومقدساتهم، لهؤلاء الراحة والاحترام مع الوسائل التي تكفلها لهم، ولأولئك الكد والامتثال:

ولجندب سهل البلاد وعذبها ولي السباخ وحزنهن المجذب

على حد ما قال أحد دهاقنة الاستعمار المعتمد السابق اربا بلان أثناء جلسة المجلس الشوري بمسمع من جميع الأعضاء مغاربة وفرنسيين: «نحن الدماغ المفكر، وأنتم الأعضاء العاملون» يضاف إلى هذا ما هنالك من خبايا في زوايا الاستعمار، أذكر منها للعبرة أني كنت يوما في القطار ما بين تلمسان والجزائر العاصمة فسمعت من راهبة تقول لرفيقة لها أوروبية عندما رأت بعض البنات المسلمات لابسات للزي الأروبي: «وصلنا مع الجزائريين إلى طور التجنيس، ثم ننتقل إلى طور آخر طور التمسيح» ، فلم أتمالك أن لاحظت عليها أن التمسيح الذي ذكرت كشف عنه اللثام علماؤكم بكيفية تدعو أهله أنفسهم إلى الخروج منه أكثر مما تدعو الجزائريين أو غيرهم إلى الدخول فيه، من بين هؤلاء العلماء المؤرخ الشهير بيار رهم في كتابه"تاريخ الديانات العام"، والفيلسوف ليون دوني صاحب التآليف الجمة، والفيلسوف ديدرو، فلاحظت علي مقطبة الوجه أن أقل ما يقال عن الديانة المسيحية أنها ديانة التمدن والترقي، فأجبتها على الفور بأن قولها هذا بأن المسيحية هي ديانة التمدن مصادم لتعاليم الكنيسة المدونة في سفر السيليوس؛ لائحة الأقوال التي يحكم على قائلها بالردة) ونص ما جاء في هذه اللائحة: «ملعون من يقول أو يعتقد بأن البابا رئيس الكنيسة يمكنه أو يجب عليه أن يتصالح مع التمدن ويبارك في الرقي» ، على هذا تفرقنا عندما نزلنا من القطار، فذهبت مع رفيقتها وهي تلتفت إلي من حين لآخر في استغراب وامتعاض.

نظرت إليك بحاجة لم تقضها نظر المريض إلى وجوه العود

أعود الآن إلى الموضوع المترجم له في العنوان فأقول:

من وسائل الاستعمار الأساسية ضرب نطاق الحصار على الشعوب التي وقعت في ثقاف جدوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت