فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 ص 27

للأستاذ: عبد الوهاب بمنصور

كانت النتيجة التي انتهى إليها الأستاذ الأخضر مثار إعجاب وسرور في أفئدة جميع الغير على اللغة العربية المهتمين بمصيرها المشفقين على مستقبلها، ولست بمغال إذا قلت إن سروري باختراع الآلة الجديدة كان مضاعفا لأنني رأيت فيها حلما من أحلامي يتحقق بل رأيت فيها مشروعا باشرته بنفسي وحضرته بمجهودي الفردي يخرج إلى حيز الوجود على يد مثقف عناه من أمر الكتابة العربية ما عناني فهب يعمل بجهوده الخاصة لتبسيطها وحل عقدها حتى انتهى إلى النتيجة السارة التي عقد لها ندوة صحافية بوزارة التهذيب الوطني.

مازلت أتذكر أول يوم وقفت فيه أمام مطبعة عربية منذ عشرة أعوام لطبع بعض كتبي، لقد كان ضعف المصففين في العربية موجبا لوقوفي بجانبهم ساعات من اليوم وهم يصففون كلمات الكتاب، وكم كانت دهشتي عظيمة عندما رأيت بساطة صندوق الأبجدية اللاتينية وتعقد صناديق الأبجدية العربية، إن الأول لم يكن يحتوي إلا على أربع عشرات من الخانات يستطيع المرء بما فيها من الحروف أن يصفف أي النصوص يشاء مشكولة مضبوطة، كما يستطيع أن يحمله بيد واحدة ويحوله من جهة إلى أخرى من غير عنت ولا إرهاق، أما الأخرى فكانت تحتوي على بضعة صناديق نضدت فيها بضع مئات من الخانات المحتوية على مئات من أشكال الحروف التي ينوء حملها بالعصبة أولى القوة، والسبب في ذلك أن الحروف اللاتينية لها شكل واحد في أول الكلمة ووسطها وأخرها، أما الحروف العربية فأشكالها تختلف بدءا ووسطا ونهاية، ومثال ذلك أن حرف التاء له شكل واحد في مطبعة الأعجام، فيكتب دائما T أما التاء في مطبعة الأعراب فلها على الأقل ستة أشكال (تـ، ـتـ، ت، ـت، ـة، ة) ، ولا أحدثك عن حرف الهمزة وكراسيه!.

كل هذا والأبجدية اللاتينية لها شكلها من جنس حروفها، فالفتحة تكتب بعد الحرف المفتوح، والضمة والكسرة كذلك. أما الحروف العربية فليس شكلها من جنسها، بل بعلامات تكتب فوقها آو تحتها، فلذلك اقتصرت المطابع في الغالب على طبع النصوص العربية غير مشكولة، لأن الشكل يزيد صندوق الحروف العربية تعقيدا على تعقيد، وتصوروا أشكال التاء المرسومة أعلاه وقد سبكت بالفتحات والكسرات والضمات والسكونات وأنواع الشد وأنواع التنوين، إن حرف التاء وحده سيصير له من الخانات في الصندوق أكثر من أربعين، الأمر الذي يجعل صناديق الأبجدية العربية المشكولة تحتوي على أكثر من ألف شكل بكل تأكيد.

يضاف إلى ذلك أن الحروف العربية لا تسير على سنن مستقيم لاعوج فيه ولا أمت، فبعضها يسير إلى أسفل كالراء والزاي والواو، وبعضها يسير إلى أعلى كالألف واللام والكاف، ومثل ذلك واقع في تعريقات الحرف الأخير كالخاء والجيم، وهذا الاختلاف يجعل شكل الحرف العربي عريضا جدا، بحيث يأخذ السطر العربي الواحد الحيز الذي يأخذه سطران أو ثلاثة لاتينية، وفي كل ذلك من ضياع الوقت والمال وتشويش الذهن مالا يخفى على من عانى الطباعة العربية واكتوى بنار تعقدها.

وهكذا فكرت في اختراع طريقة لتبسيط حروف الطباعة العربية وكتابتها مشكولة متجانسة فعكفت على العمل أزيد من سنة واستعنت عليه ببعض الرسامين والمهندسين، وهيأت أبجدية عربية مشكولة، مستمدة من الأبجدية القديمة، لا تختلف عنها إلا فيما يوجبه التبسيط والانسجام، وليست فيها بدعة إلا في الشكل الذي أصبح من جنس الحروف لا علامات توضع فوقها أو تحتها، ثم وقف حمار الشيخ في العقبة بعد ذلك، لأن قريشا قعدت بهم النفقة، فلم أستطع إخراج مشروعي إلى حيز الوجود، وبقي في ملفه حبرا على ورق بين إخوان له لم يقدر لهم العسر أن يروا النور.

وقرأت بعد ذلك عشرات من البحوث التي كتبت من قبل ومن بعد عن عسر الكتابة العربية وضرورة تيسيرها، وبعضها كان يذهب به الشطط إلى حد تفضيل الحروف اللاتينية على الحروف العربية والدعوة لاستبدال الأولى بالثانية، وكان الذي يشحن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت