فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.2، ع3 /دجنبر 1958 ص 10
للأستاذ السيد أبي الأعلى المودودي
تعريب الأستاذ: محمد عاصم الحداد
إن كمال كل شيء في اتصافه بصفة من الصفات على درجتين: أولاهما أن تكون بالغا النهاية في اتصافه بتلك الصفة. وثانيهما أن تكون تلك الصفة قد استحكمت فيه واشتدت حتى جعلته يؤثر في غيره ويصبغه بصبغة نفسه، فالثلج، وهو موصوف بالبرودة بارد أشد البرودة في حد ذاته فهو كماله الأول، ومع هذا فإنه يبرد غيره فهو كماله الثاني. والنار، وهي موصوفة بالحرارة، حارة أشد الحرارة في ذاتها فهو كمالها الأول، ومع هذا فإنها تحرق غيرها فهو كمالها الثاني.
كذلك فإن الكمال الأول للرجل الصالح أن يكون بالغا النهاية في صلاحه الذاتي أن يكون مصلحا لغيره بتأثيره فيه.
والكمال الأول للرجل الخبيث أن يكون بالغ النهاية في خبثه، وكماله الثاني أن يعدا هذا الخبث إلى غيره ويصبغه بصبغته.
على هذه القاعدة الكلية، فإن الكافر والمؤمن لكل منهما درجتان في الكمال، فالكافر إذا كان راسخا في عقيدة الكفر فهو على كماله الأول، وأما إذا كان مع ذلك يدعو إلى عقيدته ويبدل السعي لصد الناس عن طريق الحق والانحراف بهم إلى طريق الباطل وينشر الكفر والإلحاد بقوة بيانه أو ماله أو سيفه، فهو ينال الكمال الثاني أيضا.
وكذلك المومن إذا كان راسخا في إيمانه كاملا في طاعته للحق، فهو على الكمال الأول من حيث اتصافه بصفة الإيمان، وأما إذا قويت فيه تلك الصفة واستحكمت حتى بدأ يدعو غيره إلى الحق ويهب به إلى أتباعه ويحليه بأخلاق الإسلام بتأثير من لسانه وقلمه وأخلاقه وسلوكه في الحياة أو قوة يده وساعده، فإنه يدخل في الكمال الثاني أيضا. وهذا ما تكرر في جملة آيات من القرآن الحكيم، وعلى لسان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عدة مرات. فقد قيل لأهل الكتاب في سورة آل عمران بآية 98: «قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله» ثم قيل في الآية التالية: «قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا» .
فالواضح من هاتين الآيتين أن كمال الإنسان الأول في كفره أن يكون منكرا لآيات الله في حد نفسه، وأن كماله الثاني في كفره أن يكون داعيا إلى هذا الإنكار، يصد الناس عن صراط الله المستقيم ويعرضهم على سبيل المعوجة في العقيدة والعمل. ثم إن الله سبحانه وتعالى يخاطب المومنين في الآية المقبلة من هذه السورة نفسها ويبين لهم أمرين، أولهما: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا» وثانيهما: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون» فهنا أيضا قد قيل أن الإيمان كماليين: أولهما أن يكون المومن في حد ذاته متقيا لله مطيعا لأحكامه وأوامره إلى آخر أنفاس حياته معتصما بحبله المتين بكل آمرا بالمعروف ناهيك عن المنكر.
ثم إن هذا الكمال الثاني على مراتب متفاوتة:
لا شك أن الشمعة والكهرباء والقمر والشمس أدوات تضيء غيرها، إلا أنها على درجات متفاوتة من حيث كمالها في صفة الإضاءة، فالشمعة لا تضيء إلا حجرة صغيرة، بينما تضيء الكهرباء بيتا كبيرا واسع الحدود، ويضيء القمر الأرض وما حولها من الفضاء،