فهرس الكتاب

الصفحة 3663 من 5287

دعوة الحق، س.5، ع5 /نوفبر 1961 ص 18

للأستاذ: إبراهيم الجمل

جامعاتنا الدينية - حفظها الله وأبقاها- كانت ولا تزال حصن اللغة، ولسان القومية، ومنبع الحرية، لم ينل منها كر الليالي والأيام، فظلت متينة الأساس، رفيعة العماد، شامخة البنيان، منذ أكثر من ألف سنة، عالية مرموقة، فيوم أن كانت بلاد العالم تسبح في ظلمات الجهل، تتلهف لبصيص من نورها الساطع، كانت الركبان تتحدث عن علمائنا العباقرة، وكانت كتبهم منتشرة بالمواد المختلفة في كل مكان، وكانت أوروبا تحث أبناءها للاغتراف من منهلها العذب.

لم تزعزعها الحوادث التي تدمي القلب، والأعاصير التي تهب عليها من مختلف الجهات، فبقيت صامدة مع الزمن، لم تضعف، تكافح وتنتصر، متمسكة بالحق والنور، تضيء للبشرية طريق العلم والعرفان، حاربت المستبد والظالم، ووقفت في وجه الدخيل والمغتصب، فتكسرت حرابه على صخرة جبروتها، وانهزم أمام قوتها، فكانت قلعة محصنة، تصد كل محاولات السيطرة والتحكم والاستعباد.

حمت الدين الحنيف، وحرست اللغة العريقة، ولعبت دورا فعالا في التاريخ، فغيرت معالمه، وحملت على أكتافها معولا تهدم به الجهل، ووضعت الأسس الأولى للتعليم، وللنظم الجامعية بتقاليدها العلمية، وتجاربها الفكرية، فكانت المناظرات تعقد في أرجالها الفسيحة، والمنتديات حافلة بشتى العلوم وكانت المطارحات والمناقشات تقام في جو علمي، مزدان بالعقول النيرة، والنفوس الزكية، تحف بها المحبة والإخاء والتواضع المحبب إلى النفس، فانبعث من قلبها نور الإيمان، وامتد شعاعه إلى جميع أرجاء الغبراء.

ثم مرت بالبلاد فترة من الظلام، والانحلال الفكري، وحوربت تلك الجامعات من طرف عدو لا يرحم، استبد بالبلاد والعباد، ولم تستطع أن تقف أمام طغيانه، فانكمشت على نفسها، وتحفظت في جميع خطواتها وحرصت على ما بقي في يدها، فلم تتزحزح ولم تتحرك، وتحصنت في محيط ضيق، ترشد الناس في السر والعلانية إلى الطريق القويم بنورها الخافت الذي حاول المستعمر أن يطفئه إلى الأبد، فمنعته يد القدر الغالب، بفضل الصلة الروحية, التي جمعت الناس حولها، وبفضل رجال أقوياء في عقيدتهم وفي إيمانهم، وهبوا أنفسهم لمبدأ سماوي يحمل فكرة سامية، فبذلوا النفس والنفيس في سبيل الحرية بأجل معانيها، فحمسوا الخلق، ووجهوهم لطريق الحياة الصحيح، فكانوا معلميه وموجهيه ومرشديه، أدوا الواجب عليهم ابتغاء مرضاة الله، وعاشوا مع البؤس والفقر يرشدون المسلمين إلى طريق الدين والقومية، وكانت لهم مواقف محمودة، لم يتخلوا عنهما -جزاهم الله خيرا- لحظة واحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت