فهرس الكتاب

الصفحة 3449 من 5287

دعوة الحق، س.4، ع8 /ماي 1961 ص 68

قصة العدد: قوة الدم

للأديب الاسباني: ميجيل دي سرفانطيس

تعريب: محمد الأمين محمد

ذات ليلة من ليالي الصيف الشديدة الحرارة، عاد من نزهة نهرية في طليطلة نبيل شيخ ومعه زوجته، وطفل صغير وابنة في السادسة عشرة من عمرها وخادمة، كانت الليلة مقمرة، والطريق خاليا، والساعة تشير إلى الحادية عشرة، وكانوا يسيرون على مهل فرارا مما يتطلبه المقام لدى النهر من نفقة وجهد يفرضها المستوى في طليطلة، ونظرا للأمن الذي تكفله العدالة الشاملة، وطيبة الناس في تلك المدينة، فقد رجع النبيل الطيب مع أسرته الشريفة أبعد ما يكونون عن التفكير في حادث ما يمكن أن يقع لهم، بيد أن الكثير من الحوادث التي تقع مما لا يجري به فكر، ولا سيما فكر ذلك النبيل، ومن ثم فقد أصيبوا بفاجعة بدلت سعادتهم شقاء، وتركتهم يبكون أعواما طوالا ...

كان من بين وجهاء المدينة شاب في الثانية والعشرين من عمره تقريبا، من أولئك الذين توافر لديهم المال، والدم العريق، والانحراف المعوج، والحرية الزائدة عن الحد، والزملاء الأباحيون الذين يدفعونه إلى عمل أشياء، والاجتراء على أمور لا تلاءم نوعه، وقد أطلقوا عليه لقب «جريء» هذا الوجيه الذي نمسك عن ذكر اسمه الآن احتراما، ونطلق عليه اسم «رودولفو» كان هو وأربعة من أصدقائه - وكلهم شبان مستهترون يعوزهم الحياء - قد هبطوا من نفس المنحدر الذي صعده النبيل الشيخ، والتقى الفريقان، رب القطيع والذئاب، وفي غير شرف أو استحياء نظر «رودولفو» ورفقاؤه - وكانت وجوههم ملثمة - إلى الأم، وإلى الابنة، ثم إلى الخادمة. فصاح النبيل فيهم وزجرهم منكرا عليهم تطاولهم وجرأتهم ... ولم تكن إجابتهم له إلا تغامزا وسخرية، ثم واصلوا سيرهم في غير اكتراث، بيد أن وجه الفتاة الساحر الذي رآه «رودولفو» والذي أطلق هو ورفقاؤه على صاحبته اسم «ليوكاديا» - وهي ابنة النبيل الشيخ - قد بدأ ينطبع في ذاكرته على نحو لم يستطع معه التحكم في إرادته، واستيقظت فيه رغبة الاستمتاع بها على الرغم مما عساه أن يصيبه في سبيل ذلك، وفي دقائق ابلغ زملاءه بما فكر فيه، وبعد قليل كان هؤلاء قد قرروا العودة لاختطافها إرضاء لرغبته .. والأغنياء الذين يبذلون بسخاء يجدون دائما من يرضى عن شذوذهم ويصف عملهم السيئ بأنه حسن ... وهكذا ولدت الفكرة الآثمة وابلاغها والموافقة عليها ... وقرار اختطاف «ليوكاديا» ثم اختطافها فعلا.

وضع كل لثامه على وجهه، ورجعوا شاهرين خناجرهم، وعلى بعد خطوات قليلة أدركوا أولئك الذين لم يفرغوا بعد من شكر الله الذي خلعهم من أيدي أولئك الفاتكين، هاجم «رودولفو ليوكاديا» وحملها بين ذراعيه ثم ولى بها هاربا، ولم تكن لديها قوة كي تدافع عن نفسها، إذ أزال الخوف صوتها أن تستغيث، وأصيبت بالإغماء فلم تعد تحس، ولم تدر من حملها، ولا إلى أين تحمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت