فهرس الكتاب

الصفحة 3608 من 5287

دعوة الحق، س.5، ع1 /نونبر1961 ص 46

للأستاذ مصطفى الأزموري العمري

عندما يشبه مفكر كبير -كمالك بن نبي (1) - موقف العرب والمسلمين حيال مظاهر المدينة الغربية الحديثة بموقف سيدة سيطر عليها الإعجاب والدهش معا أمام واجهة محل تجاري زاخر بأنواع الملابس، فإما أن تقبل على شراء ما تتمنى بسخاء وإما أن تذوب حسرات وآهات، فإن هذه التشبيه يحمل في ذاته معنى بالغ الدلالة: أننا أمة في حاضرها وواقعها تنفعل أكثر مما تفعل وتستهلك أكثر مما تنتج وتعي على رصيف المسؤولية الحضارية بدل أن تعيش ي قلب تجربة التاريخ، ولكن رغم سلبية الواقع العربي الإسلامي وموقفه الحيادي، المنفعل، فإن هناك إلزاما ملحا صادرا عن هذا الواقع ذاته يدعو الإنسان العربي المسلم أينما كان إلى الانخراط في العالم والالتزام بكل ما يجري فيه وتحمل تبعات المدينة الحديثة باعتبارها مدنية الإنسان قبل كل شيء.

فإذا كان لابد أن يأتي اليوم الذي تكتسح فيه الآلة بلادنا ويتمثل واقعنا ما تقدمه المدينة الحديثة من معطيات تلائم طبيعة ذلك الواقع وتغنيها دون أن تمس من مقوماتها الأصلية، وإذا كان لابد أن نتهيأ تهيئة نفسية واجتماعية وتاريخية لتفهم المسؤولية الحضارية المشتركة، بمعرفة أنفسنا وتنقية كياننا من عوامل الانحطاط والتخلف والانطواء للخروج به من قوقعته الخاصة وتمركزه الذاتي، فمن الضروري -ونحن على عتبة هذه التجربة التاريخية الضخمة- أن نمتحن بالفكر الانتقادي المدنية في إيديولوجيتها اليومية المعاصرة -كمفهوم حي من جهة وكقيمة إنسانية من جهة أخرى ... أي نثير هذا السؤال الجدي:

ما هو وضع الإنسان الحديث في مدينة تدعى سعادته وفهمه؟

كل ما يعزى إلى الإنسان يحمل مفهوم المدنية دون أي اعتبار عرقي أو قومي أو جنسي، وكل ما هو خارج تدخل الإنسان ولا يكشف عن وجوده بعيد عن المدنية .. بعيد عن الإنسان، فأحقر كوخ في غابة كأفخم ناطحة سحاب في مدينة هما حادثان ن حوادث المدنية بدلان على وجود الإنسان، أما بناء خلية النحل ونسيج بيت العنكبوت مثلا فهذان شيئان طبيعيان لا ينمان عن دلالة المدنية، فكل ما صنعته الإنسانية في أمسها وما تصنعه لغدها يدخل في مدلول المدنية، ليست نسيج امة واحدة ومن مغالطات التبربر الإدعاء بأن ثمة مدنية يجب أنن نهملها لأن الأولى تفوق الثانية أصالة وقدما في بدئ المدنيات لا ينفي، بعضها بعضا ولا يطرد يعضها إمكان البعض الآخر، وتجربة التاريخ تدل على عملية تحول وتفاعل

(1) من محاضر قيمة ألقاها الأستاذ مالك بن نبي في مدرج جامعة دمشق منذ سنتين تقريبا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت