فهرس الكتاب

الصفحة 3620 من 5287

دعوة الحق، س.5، ع1 /أكتوبر 1961 ص 58

الأساس النفسي الاجتماعي للنهضة المغربية

للأستاذ: جمال بغدادي القادري

إن المصلح الاجتماعي حينما يخطط طريق السير في الإصلاح، يجعل عمله هذا مسبوقا بتشخيص المرض وإظهار الهنات الاجتماعية السائدة قبل التمريض والتطبيب، وهو إن فعل فسيجد صعوبات جمة في العلاج لأن الوجود الاجتماعي كيفما كان حاله فهو معقد الظاهرة متداخل العوامل يستعصي على كل تحليل، جذوره ضاربة في الماضي السحيق ومنحدرة نحو آفاق غائمة لا يحدها البصر، عند التمييز جمع من النفسيات الفردية ولكنه في التركيب شيء آخر لا يمت إلى الأفراد فقط وإنما إلى روح الجماعة وإلى ضميرها الغامض، والظاهرة الاجتماعية لا حاضر لها لأنها كالسيل الجارف يسعى نحو غده حثيثا وفي أحشائه رواسب من الماضي السحيق .. إذن كيف نبحث ما لا يحده بصر أو يحيط به عقل. إننا مهما فعلنا فلن يكون عملنا إلا كمشية الأعشى يتخبط في الدياجي ومهما قلنا: هنا الداء وهذا هو العلاج فهيهات أن نتلمس جوهر المجتمع وحقيقته، ولذلك وجب علينا أن نتحدث عن الناس والمجتمع بتحفظ شديد وتواضع كبير.

والنظرة الأولى على مجتمعنا العربي المغربي تعكس التقابل والتنافر بين فئة وأخرى وبين اتجاه واتجاه، محافظون ومجددون، شباب لا يبالي اندفع وراء المتعة والاستمتاع، وشيوخ يذرفون الدموع على الخسارة والضياع، قوم مشرئبون للمستقبل الساحر الذي طلق الماضي أو يكاد، وقوم لا هم لهم إلا التحسر على مخلفات الآباء والأجداد، فكيف التوفيق والتنسيق.

إن المجتمع المغربي يعيش على الاستهلاك كثيرا وعلى الاختراع والإنتاج قليلا، فما السبيل إلى تفتيق العقلية المغربية على الابتكار والمبادرات، والمجتمع المغربي في حاجة إلى مزيد من صلات الحب والمزيد من روح التضحية والفداء، فأين هي تلك العصا السحرية التي تنشر الحب في القلوب؟ إن هذه العصا العجيبة كامنة في التربية النفسية الاجتماعية، فأساس النهضة قائم على إصلاح النفس أولا ثم إصلاح المجتمع ثانيا أي أن الاتجاه يكون من داخل أنفسنا إلى العالم الخارجي، من الفرد إلى المجتمع، ونحن لا نبتدع جديدا فإن الإسلام - وهو رائدنا الدائم- اهتم أولا بتركيز العقيدة وتقوية الإيمان وتطهير النفس قبل أن تشرع الأنظمة والقوانين، وإذا كان أسلوب الإسلام في الدعوة خالدا فهو في هذا المخطط خلاق من حيث السير المنظم الهادف أي أنه اتبع طبيعة الأشياء في التركيب والتكوين.

والنهضة النفسية الاجتماعية تومن بأسبقية الروح على الجسم والنفس على المادة، لان الحضارة ثمرة الروح المفكرة لا المادة الخرساء البكماء، والمادة لا تؤثر فيه فقط وفرق بين التأثير والتكوين، وجناية الفلسفة الماركسية أنها تبني النهضة على أسطورة المادة جاعلة من العقل والروح تابعين منفعلين، وقد أوضح العالم المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي بدامغ الحجة كيف أن أعرق الحضارات القديمة والحديثة قامت على الدافع النفسي في تحدي صعوبات الطبيعة وضيق المجالات الحياتية وكيف أن الخطر الدائم يحفز الإنسان على تلقي التهديد بالمجابهة والتحدي، فالعالم العربي تسلح وتقوى بفضل وجود خطر إسرائيل، والإسلام انتشر في بقاع الأرض بفضل ذلك الدافع النفسي في نشر الرسالة، وقد كانت بداية النهضة في المغرب قبسا من هذا المفهوم النفسي للحضارة حينما عزم الشعب على التخلص من وجود المغتصب الظالم بقوة العزيمة التي كانت الحافز على الانطلاق الحر نحو البناء السليم والنهضة الحقيقية ولكن الاستعمار ترك وهو يبارح البلاد بعض الأثر في أنفس عدد غير قليل من شبابنا، لقد ترك في أنفسهم الشعور الدائم بالضآلة والانهيار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت