فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 137
بقلم: رئيس التحرير
وبعد، فقد أنهت مجلة «دعوة الحق» بهذا العدد الممتاز سنتها الأولى، وكان من حقها أن تنهيها بعددها العاشر، جريا على العادة المألوفة من المجلات الثقافية الشهرية، ولكنا آثرنا مع ذلك أن نستمر بها إلى العدد الثاني عشر، لتنهي سنتها الأولى مع انتهاء الموسم الثقافي. ومع حلول فصل الصيف، الذي تعسر فيه الكتابة الجادة والقراءة الجادة معا، والذي لا يبقى فيه مجال إلا لما اصطلح على تسميته بلغو الصيف.
كان من حق المجلة أن تنهي سنتها الأولى بالعدد العاشر، لكن كان عليها-لكي تستطيع أن تتمتع بهذا الحق- أن تكون قد وفقت في اختيار الوقت المناسب لابتداء سنتها، أما عذرها في ذلك، فهو أنها لم تكن تملك الوقت الكافي للاختيار، لقد كان عليها أن تبرز إلى الوجود بأية وسيلة ممكنة أو غير ممكنة، لتسد الفراغ الفكري المخيف الذي كنا نعيشه وتتبرم منه، ولتبدد سحب الملل والكل واليأس، ولتستجيب إلى الرغبة الملحة التي ظلت تدعوها إلى الظهور، وهكذا، سرعان ما تطورت «المجلة» من فكرة، إلى مشروع، إلى حقيقة واقعة، وفي ظروف كهذه كان من الصعب علينا أن نطيل الوقوف لاختيار الوقت المناسب لابتداء العمل، لقد كان علينا أن نفعل شيئا ما لإنقاذ الموقف، وان نعجل به، وغاية ما نرجوه الآن أن نكون قد وفقنا ولو بعض التوفيق.
إننا لا نستطيع أن ندعي أننا قد نجحنا، ولكننا نستطيع أن نؤكد أننا قد بذلنا جهده كله، وقد أخلصنا للغاية التي رسمناها منذ البداية، وقد صمدنا لكل المعوقات التي صادفتنا في أول الطريق، والتي كان على رأسها أن القادرين على الكتابة لا يريدون أن يكتبوا، والقادرين على القراءة لا يريدون أن يقرأوا، وان البيئة كلها لا تظهر الحاجة إلى العمل الفكري أو الغذاء الفكري، ولا تطلبه أو تسعى إليه.
وطبيعي، أن المجلة-أية مجلة- لا يمكن أن يتصور لها وجود إطلاقا إذا لم يكن هناك كاتب وقارئ.
بل أن المجلة-أية مجلة أيضا- لا تعدو أن تكون أهدافا يتعاون الكتاب والقراء معا على خدمتها والعمل من أجلها.
لقد صمدنا، ولكننا اكتشفنا أثناء العمل، أننا لسنا وحدنا في طريق، وان الأزمة الثقافية التي نشكوها من الممكن إلا تكون مستفحلة إلى الحد الذي نتصوره، وأن رصيدنا مكن الطاقات الفكرية، لا يختلف عن رصيدنا في الميادين الأخرى، إلا أن الأعمال الفكرية تطلب التفرغ لها والتوفر عليها، ونحن امة قد عشنا زمنا، ولا نزال نعيش حتى اليوم، ظروفا خاصة، تقتضينا أن نجند كل قوانا للتخلص من الاستعمار ومن آثار الاستعمار، وقد وضعنا جميعا هذه الغاية نصب أعيننا، وانصرفنا إلى تحقيقها عن كل ما عداها، ونسينا في غمرة العمل من أجلها كل شيء، وكان طبيعيا في جو كهذا إلا نجد الوقت الكافي للأعمال الفكرية الجادة التي تطلب كثيرا من الأناة، وكثيرا من الوقت، جانب كل ذلك حالات عقلية ونفسية خاصة، لا يمكن أن تتوفر إلا مع الهدوء والأمن والاستقرار، وإلا مع الحرية الكاملة، التي لا يحدها إلا القانون والحق، والتي لا يستطيع الفكر مطلقا أن يعيش بدونها، إلا إذا كان من الممكن بالنسبة للإنسان أن يعيش بدون شمس ولا هواء ولا ماء.
وهكذا لم تكد المجلة تقطع نصف المرحلة من سنتها الأولى حتى اكتشفت أنها ليست وحدها في الميدان، وإنما لن تخاف الموت من انقطاع مادة الحياة عنها، وأن البيئة التي تعمل فيها-بعكس ما كان يبدو عند البداية- تتوفر على طاقات فرية هائلة، كما تتوفر على كثير من المواد الخام، وأنه ليس عليها إلا أن تزيد في صمودها، وان تستمر في دعوتها، وان تعمل بدون انقطاع على تحريك القرائح والأقلام، وعلى تشجيع المحاولات الجادة الهادفة.