فهرس الكتاب

الصفحة 796 من 5287

دعوة الحق، س.2، ع2 /نونبر 1958 ص 48

بقلم: محمد الخضر الريسوني

... هذا الشرف الذي هو أعز ما تملكه المرأة، إنه حياتها وسرها وقوتها وجمالها وخيرها ...

أمسكت السيجارة بأصابعها الدقيقة، وتوقعت أن أقدم لها عود الثقاب، ولكني تباطأت وتكأت، فحدجتني بنظرة صارمة قاسية، وكان الليل رائقا، ونور الكهرباء يغازل شعرها، بينما جهاز الراديو يتجاوب بموسيقى (رقصة الأطلس) .

كان وجهها الفاتن يختفي وراء الأصباغ، وقد بدت شفتاها في حمرة قانية، لولا أسنانها البيضاء الصغيرة، لخلت فمها قطعة حمراء. كان الألم باديا على محياها، وكانت تنفث دخان السيجارة في عصبية وقلق.

بادرتها وأنا أتأمل كل شيء فيها: مالي أراك قلقة حائرة؟ تكلمي.

أجابتني وعيناها تشعان ببريق يخطف الأبصار: إنني أخشى منك؟

ـ تخشين مني؟؟

أخشى أن تفضحني، ألم تقل لي أن مهنتك أن تكتب قصص الناس؟؟

أجبتها: تكلمي ولا تخشى ... ومن يدري؟

فربما كان في إمكاني أن أساعدك.

وبحركة سريعة أسكتت الراديو، ثم قالت وهي تنفث دخان السيجارة في فضاء الغرفة: لقد جئت إلى هذا البلد واشتغلت خادمة ببيت أحد الوجهاء الأثرياء، وخلال مقامي مع الأسرة شاهدت كل شيء. شاهدت الظلم بأفظع معانيه، ولمست النفاق بأخطر صوره، شاهدت جوا مسموما تطل عليه رؤوس مخيفة كؤوس الشياطين.

وبالطبع تعلمت النفاق، فكنت ابتسم وأضحك كبلهاء جاءت إلى هذه الحياة لتشارك بدورها في المهزلة.

وأقبل السيد الصغير يوما فابتسم في وجهي، وقال يخاطبني:

إنك أجمل امرأة في هذا البلد.

انتشيت من هذا المدح، وشاعت الحمرة في خدي، وإذا بالشاب يقف مشدوها حائرا تتلعثم الكلمات في شفتيه، وقال:

إنه يحبني.

ولم أجد إلا أن أبادله عواطفه، كيف لا وهو السيد الصغير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت