فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 31

للأستاذ: الرحالي الفاروقي

لقد عني التشريع الإسلامي عناية كبرى بحياة المرأة المسلمة، واهتم بوضعها اهتماما صادقا، وحكم في أمرها حكما عادلا، فرفع منزلتها، وأجل مكانتها وقوى في النفوس وفي المجتمع مركزها، وعرف بحقوقها ومصالحها، وأوصى برعايتها وإطابة عشرتها، وحرسها من نقص الجاهلية والجهالة، وصرفها عن دين التبرج والسفالة، وكلفها كما كلف أخاها، واختصها ببعض الأحكام وفقا لعادتها وجريا على طبعها.

والمرأة كالرجل في واقع الأمر صالحة وغير صالحة، ?فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ، وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا. إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا? [النساء: 34]

كانت هذه العناية السامية، والاهتمام الصادق، والحكم العادل، بعد أن عرفت المرأة ألوانا من الظلم والعسف، وأنواعا من الذل والخسف، فأنجدها الإسلام آخذا بيديها، معرفا بقيمتها، واضعا لها في موضعها، وحررها من عادة الاستعباد وحياة الاستبداد، وخولها نعمة الاستقلال، وبوأها مقاما شبيها بمقام الرجل، فهي تجير وتهاجر، وتجاهد وتؤازر، وتبايع وتناصر، وتملك وتتصرف، وتعقد وتستخلف، إذا استوى أمرها وصلح حالها، وتتعلم وتعرض رأيها وتتكلم، ولم يعد في مستطاع الوارث أن يتحكم في مصيرها، ولا للولي أن يتسلط على رزقها، ولا للغلاة أن يقضوا على حياتها، وأصبحت تعتمد في نضالها على نظام حميد يعززها إلى حد بعيد، ويجعلها رفيقة الرجل في الحياة، وأنيسته في الوحشة، وشريكته في المحنة، تعينه على الحوادث، وتعيذه من الشوامت، وتعفه من الخبائث، وهو يقوم على راحتها وأمنها وحفظ شرفها وصون عرضها وإقامة عوجها وسد عوزها، وليس معنى هذا أن المرأة والرجل لا يوجد بينهما فرق ولا ميز في الأحكام والأعمال، فإن طريقة الحياة تسير على مذهب الطبيعة، وهناك أكثر من فرق واحد لا سبيل إلى جحده وإنكاره ولا قدرة على نسخه وإبداله، والأعمال في هذا العالم المترامي الأطراف والمتنامي الأعراف موزعة بحسب الطبائع والغرائز الثابتة في الإنسان، وباعتبار المقدرة والاستطاعة والإمكان، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وقد بات من عدل الشريعة وحكم الطبيعة أن تصرف الأمور إلى أوليائها، وترتب أحسن ترتيب في مراتبها، حتى لا تشتبك الأحوال وتختلط الأعمال ويطمع العاجز والجاهل، ويقنط العالم والعاقل. ومن وحي الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.

وتغيير الأوضاع الإسلامية خطير على حياة الأمم الإسلامية ومخل بآدابها وأحكامها، ومسيء إلى مجدها وتاريخها، والله جلت عظمته عندما شاء خلق الإنسان أوجد آدم أولا وحواء ثانيا، ومن آدم كانت حواء، فالرجل أول ما وجد من هذا النوع، وأول من كلف بسياسة الخلق، وإبلاغ الحق، فسبق في الإيجاد والتعبير، وتقدم في الحكم والتقدير، وفي ذلك وموء إلى مكان الرجل والمرأة في الحياة، ووضعهما الطبيعي في الاجتماع البشري، وإلى العدالة القائمة بينهما في غير نقصان ولا طغيان، ولا غنى عنهما لبقاء التناسل الجنسي والمحافظة على المصالح التابعة لهما، غير أن هذه المرأة الضعيفة اللطيفة لا تقوم مقام الرجل في سائر جوانب الحياة، ولا تسد مسده في سننها وفرائضها، اتباعا لفطرتها واتفاقا مع سيرتها، وليس ذلك نقصا في جهتها ولا مسا بكرامتها، وقد سمى صلوات الله عليه وسلامه النساء بالقوارير في قوله: ويحك يا أنجشة رويدك بالقوارير. لسرعة تأثرهن وكثرة انفعالهن وبيان ضعفهن. والمرأة وإن كانت تتجشم المصاعب، وتقتحم الشدائد، وتحاول الإبداع وتشارك في الأمن والدفاع، وتشد أزر صاحبها، وتخفف ألمه، وتدير بيته، ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت