دعوة الحق، س 1، ع 8 / يبراير 1958 ص36
"للأستاذ مصطفى الصباغ"
على شاطئ البحر الزاخر بالمعاني، وفي مدينة بيروت الفاتنة، جوهرة لبنان الساحر، يوجد بيت الشاعر الكبير، والمفكر العبقري، الأستاذ بولس سلامة، وبولس سلامة أديب من كبار أدباء عصرنا وفيلسوف يغوص إلى الأعماق نافذا في لب المعنى، وشاعر بكل ما تحويه هذه الكلمة الجميلة من معنى، قمت بزيارتي الأخيرة إليه لاستمتع بحديثه، ولأ نهل من معينه الفياض، ولأستفيد من حكمته البالغة ولأ نقل إلى قراء (دعوة الحق) الأعزاء بعض الصور عن نفسية هذا الأديب الكبير، وبعض آرائه في مختلف الشؤون.
دخلت عليه غرفته، وهو على حاله منذ ما ينيف عن العشرين حولا، مستلق على فراش الألم والشكوى، يعاني من مرضه المستديم ما لم تفد فيه مباضع الجراحين وآلاتهم التي عملت في جسمه تسع عشرة مرة، فما زاده ذلك إلا رسوخا في فلسفة ألمه، ومعرفة بالحياة، ومع أنه على هذه الحال، طريح الفراش، وسمير الآلام، فإني كلما دخلت عليه لا أجده إلا باسما، تشرق أساريره بالبشر، ويفيض على جلسائه، وهم دائما كثير- أنسا وبهجة ما عليهما من مزيد.
رحب بي بولس كعادته، وراح يستفسرني عن أحوال المغرب.
ولأعطيك فكرة عن نفسية هذا الرجل أسوق لك بعض أسئلته عن المغرب، إنه لم يسألني عن سياسة الحكومة، ولا عن عدد الأحزاب، ولا عن أي شيء من هذا القبيل، إنه سأل عن فصل الربيع ومتى يبدأ عندنا بالضبط؟ وكم يدوم؟ وما هي أحب الزهور إلينا؟ وما هي المنطقة الأكثر اعتدالا ببلادنا؟ وهل توجد عندنا كل أنواع الفاكهة التي بلبنان إلخ ....
وانتقلنا إلى حديث الأدب، فسألت بولس: هل يوجد تفاعل بين الأدب العربي في شتى الأقطار العربية؟
فأجاب بالإيجاب، وقال: إن هذا التفاعل يبشر بخير كبير، وهو خير وسيلة لتوحيد المفاهيم بين أدباء العربية لسلوك السبل القويمة لخدمة الأدب العربي.
وسألته عن رأيه في الاتجاهات الأدبية الحديثة وفي الشعر الحر المطلق، قال: هذه فوضى، ويجب أن توضع الأسس التي لا يتعداها الأديب إلى الإسفاف والتبذل، أما هذا المسمى بالشعر الحر، فسمه ما شئت، إلا أن يكون شعرا، قل إنه نثر فني، فقد عرف تاريخ ألأدب العربي مثل هذا عند الجاحظ، وابن المقفع، أما أن تطلق عليه لفظة شعر فالشعر يكون موزونا ومقفى، ومع هذا فإني أحبذ أدبا كأدب ألبير أديب ومحمد الصباغ، لأنه رصين وله أسس فنية.
ثم استدرت نحو الخزانة العامرة فلمحت ترجمة للقرآن الكريم بالفرنسية، فسألته عن أحسن ترجمة في نظره للقرآن، فقال: مع أني لم أطلع على أحدث التراجم، فإن ترجمة القرآن شيء مستحيل، ليس هناك ترجمة بل هناك مسخ، واعتدل بعض الشيء في مكانه ليلفظ بالفرنسية ترجمة البسملة، وابتسم قائلا: أهذه حقيقة هي ترجمة البسملة؟ ألفاظ مرصوفة ليس فيها رونق ... وعاد إلى جده قائلا: كيف تستطيع أن تنقل من العربية إلى الفرنسية قوله تعالى: ?وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى? [الضحى: 2 - 3] ؟ وكيف تستطيع أن تترجم: ?وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ... إلخ? [النجم: 1 - 3] ؟ كيف يمكنك أن تنقل هذه الرنة الموسيقية السحرية، كيف تستطيع نقل المعاني البلاغية السامية؟ هذا شيء غير ممكن، بل مستحيل.
وفي مجال الحديث السياسي سألت بولس عن رأيه في المشاكل العربية، وكيف يمكن حلها، فقال: إن حل مشاكل العرب في اتحادهم، إنه من الضروري أن يتوحد العرب في الميادين الثقافية والاقتصادية والسياسية،