فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 23

الدورة الثالثة لمؤتمر أدباء العرب: النثر والقومية العربية

للأستاذ: محمود تيمور

نحن المخضرمين الذين عشنا في جيلين، سابق ولاحق، لا يفوتنا أن فكرة القومية العربية وهي دعوة الساعة، كان لها بالأمس صوت جهير.

بيد أن هذه القومية العربية لم تكن لها دلالة مختمرة في أذهان الكتاب، ولم تكن مستبينة المعالم فيما تجري به الأقلام.

كنا مضطربين في أمرها أشد الاضطراب، مختلفين فيها كل اختلاف، يتعصب لها منا فريق، ويثور عليها فريق آخرون، وكان المتعصبون لها والثائرون عليها سواء في التطرف أو في الشطط والاعتساف، وفقا لمقتضيات وملابسات حاقت بالأمة العربية في تلك الأيام.

المتعصبون للقومية العربية كانوا يتمثلونها لياذا بالماضي، واعتزازا بالسلف، فهم ينشدون للكتاب أن يرجعوا إلى العصور الأولى، ويؤثرون للأدباء أن يحيوا في أجواء العهود الخوالي، ويأبون على المفكرين أن يسلس قيادهم لاتجاهات حديثة أسفرت عنها الحضارة العصرية في ميدانها الثقافي.

والثائرون على القومية العربية كانوا يشبونها حملة على كل قديم في التفكير والتعبير، ويعتدونه عقبة في طريق التطور والتقدم، ولم يسلم من حملتهم تراث العروبة في فنون أدبها وفي ألوان ثقافتها بل في كثير من دعواتها الروحية الموصولة بالعقيدة والدين.

وتنابز الفريقان بالألقاب، فريق المحافظين، وفريق المجددين، لكل منهما زاوية ينظر إليها لا يعدوها، ولكل منهما وجهة هو موليها، فإن قلنا إنهما كانا كلاهما على خطأ فلسنا على خطأ، وان قلنا إنهما كانا كلاهما على صواب فلسنا نجانب الصواب.

أولئك المحافظون آمنوا بالقومية العربية، فأقاموا من أنفسهم سدنة لها، متعلقين بأستارها يتمثل إيمانهم في الاستمساك بالتراث العربي القديم، وفي الاستيحاء لأساليبه ومناهج أدبه، وتأنس نفوسهم بأحلام ماضيه، وبما يزدان به من مفاخر وأمجاد. وعذرهم في ذلك أن المجتمع العربي كانت تغزوه قوى أجنبية في شتى مناجي حياته، ومن ورائها مظاهر حضارة عصرية ولوامع فكر جديد، فأشفق المحافظون على الأمة العربية أن يطوح بها التيار الجارف، حتى لا تتماسك ولا يبقى لها من كيان، ولم يستطيعوا إلا أن يهربوا من واقعهم الذي يحاصرهم من كل صوب، هذا الواقع الملتبس الذي يباعد بينهم وبين عروبة يعتزون بها أكبر اعتزاز.

وهؤلاء المجددون أرادوا للأمم العربية حياة غير حياتها المتخلفة، فانبعثوا يمزقون عنها الفاف ماضيها الذي هو أشبه بأحلام النيام، ويحطمون ما يغل عقولها من قيود مائعة من التحرر والانطلاق، ويفتحون العيون على النور الجديد في آفاق الفكر والمعرفة.

ومن ثم نشأت الدعوات الأدبية في كل أمة عربية على إبراز الشخصية، وتنوير الوعي، وتجديد الروح ولم يكن للمجددين بد من اصطناع خطة الهدم، لكي يقوم على الأنقاض بناء مكين.

لبثت القومية العربية على هذا النحو، بين أشياع المحافظة وأشياع التجديد، مثار تردد ونزاع، بل مدار تشكك وارتياب، وفي أدب الجيل الماضي تعبير صادق عن هذا التردد والنزاع أو التشكك والارتياب، سواء في ذلك المحافظون والكتاب المجددون.

ولعل هذه المرحلة كانت مرحلة طبيعية من مراحل النهوض القومي، وطورا لا غناء عنه من أطوار تبلور الفكر العربي، فقد جاهد المحافظون في سبيل إحياء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت