فهرس الكتاب

الصفحة 3333 من 5287

دعوة الحق س4 ع7 - ابريل 1961 ص38

للأستاذ: جمال بغدادي القادري

ما العلاقة بين الدين والعلم في عصر الأقمار الصناعية والصواريخ والعقل الالكتروني المفكر؟ هل انقطعت الصلة وحان الوقت لوضع الأديان في الرف مع مخلفات الماضي بعد أن انفردت العلوم بالزعامة والقيادة؟ وهل للروح انبعاث جديد وانتعاش أكيد يلتمسه الباحث وكل عاقل منصف؟ أسئلة تعترض المفكر النزيه والمؤرخ والمتدين والمتعبد وكذلك الملحد الضال. وليس من السهل الإجابة بين الدين والعلم لان القرن العشرين عصر مضطرب الاتجاهات متعدد المذاهب لم يتخذ بع مذهبا حاسما واضحا سواء أكان ذلك في الحقل الأدبي أو الفني أو الفلسفي بخلاف القرن التاسع عشر المنصرم الذي بث في الموضوع وحسب أن العلم كفيل بأن يخلف الفكر الديني.

وتتبع هذه القضية بطريقة علمية موضوعية تجعل إقرار الباحث ناقصا وحكمه تقريبيا ظنيا، لان فلاسفة الغرب- إن صح القول انتهوا من دراسة حقيقة الأديان- لا يعتبر حكمهم أنهم انتهوا من دراسة حقيقة الأديان- لا يعتبر حكمهم نهائيا شاملا إذ انه يتعلق إلا بالأديان البدائية والمسيحية واليهودية، ويبقى الإسلام خارجا من هذا الشمول، وأخيرا وبفضل الدراسات العميقة عن الإسلام الصادرة في العالم العربي خاصة أصبح من الممكن إصدار الحكم العلمي عن مدى هذه العلاقة واختصاصات كل من العلوم والأديان.

بصفة عامة تمييز حركة الوفاق والنزاع بين الدين والعلم في ثلاث مراحل: مرحلة أولى سابقة لعصر النهضة الأوربية أي حتى القرن السادس عشر ويمكن تسميتها بمرحلة حسن الجوار. ومرحلة ثانية من عصر النهضة حتى القرن التاسع عشر نطلق عليها مرحلة النزاع والخصام، ثم مرحلة ثالثة وأخيرة هي مرحلة التمييز والتحكيم كما يبدو ذلك من اتجاهات الفكر العالمي العلمي في القرن العشرين.

لم يكن هنالك إذا نزاع شديد بين الدين والعلم قبل عصر النهضة الغربية في القن السادس عشر حيث أن الفلسفة كانت تحتضن كافة المعارف العقلية ولم تكن العلوم ولا الفلسفة الدينية تشكل فروعا مستقلة عن الفلسفة وأنام كانت مرتبطة بالفلسفة العامة أشد الارتباط بالإضافة إلى أن العلوم في العصور القديمة كانت تختلف عن العلوم الحديثة، كانت الأولى نظرية فرضية تقوم على أساس من التجريب الفردي بخلاف الثانية التي تنبني على النظرة الشاملة والقانون الجامع والتجريب المخبري الدقيق. وزعيم هذا الاتجاه هو أرسطو. ونستطيع تشبيه هذه المرحلة بطور الطفولة في عمر الإنسان حينما كان الإدراك سطحيا والشعور بالذات مبهما غامضا، ومعنى هذا أن القدماء لم يتعمقوا في خاصية العلوم والأديان حتى يجعلوا بينها مفارقات ومقارعات.

ولكن منذ عصر الانبعاث الأوربي بدأنا نرى النضج العقلي يتبين في مباحث الفلاسفة والعلماء، وأصبح المفكرون يميزون فيما لديهم من معارف، ويضعون التبويب المنهجي القائم علة التحليل والنقد والتركيب- وقصة العلاقة بين الدين والعلم في هذه الفترة مرت بثلاث مراحل: كان النزاع أولا فلسفي النزعة، ثم انتقل إلى الحقل السياسي، وأخيرا احتدم النزاع بين الدين والعلم وجها لوجه. ويعتبر الفيلسوف الفرنسي «ديكارت» أول المفكرين الأوربيين الذي أدخل الفكر المنهجي في الفلسفة محدثا بذلك ثورة في أسلوب التفكير، وهذه النمطية المنطقية احتدمت أول ما احتدمت مع الكنيسة المسيحية ثم مع الفلسفة اللاهوتية القائمة على التصديق القبلي والإيمان الأعمى، وقد صادف التجديد الفلسفي غزوا آخر في دنيا العلوم والاكتشافات الجغرافية والفلكية، ومعطيات هذه العلوم تعارضت مع ما أخبرت به الكنيسة من قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت