دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 36
للأستاذ: عبد الكريم التواتي
يحس المتتبع لتشريعات الإسلام كوحدة متماسكة، ولقوانينه وتصرفاته كمجموعة متكاملة متداخلة، يحس في أعماقه بأن محور تلك التشريعات وهدف هذه القوانين لا يخرج ألبتة من محيط نفع المجموع البشري، ولا يتعدى أبدا نطاق صالحه العام، والإسلام -كشأنه دائما- حريص على أن توجه الأعمال كلها إلى تحقيق هذه الغايات السامية، وأن توطن النفوس على الإيمان بجدوى اتباع الخير أينما كان وإتيانه بجميع الوسائل التي تتوفر لديها، والإسلام بعد هذا لا يتساهل مع الذين يتلاعبون بالمثل الإنسانية أو يتهاونون في الذب عنها والعمل من أجلها، ويمتاز الإسلام -مع ذلك- في هذا الميدان بشموليته لكل الأفراد الذين يتكون منهم المجموع الإنساني، فأي عمل صالح لا يعم جميع الأفراد، ولا يمس جميع مناحي حياتهم، ولا يشمل كل أحوالهم، لا يمكن أن ينال رضا الإسلام ولا أن يكون له وجود تحت رايته، لهذا فحين قرر الإسلام دور المال في حياة الأفراد والجماعات، وأكد أن مال الله لم يرسل هذه الكلية إرسالا لا تقييد فيه ولا تخصيص، حتى يعطي بذلك القائمين على شؤون الناس مطلق التصرف في تكييف وتوجيه حياتهم دون مراقبة صارمة من هذه الطبقات التي وضع مصيرها بين أيدي هؤلاء القائمين، لا، وإنما أبان في وضوح وجلاء حدود كل فريق، ولذلك ففي الوقت الذي قرر فيه قيمة المال كوسيلة لا غاية قرر مورد هذا المال وبين وجوه استهلاكه ... وقد رأينا في المقال السالف دور المال في المجتمع المثالي الذي يقره الإسلام وينشده المصلحون، ونحاول اليوم في مقالنا هذا أن نومئ في اقتضاب إلى موارد هذا المال وإلى مستحقيه، حتى نتمم بذلك تقريبية للنظام المالي في الدولة الإسلامية، لأن وجود ضمان اجتماعي صحيح يتوقف إلى حد كبير على وجود نظام مالي قار سليم.
ويلاحظ المتقصي للنظام المالي والاقتصادي في الإسلام، أن موارد المال في هذا النظام تكاد تكون منحصرة في هذه الأمور الخمسة مع تداخل بعضها في بعض وهي: الزكاة، الفيء، خمس الغنائم، الجزية، وأخيرا تبرعات أصحاب المال، ويلاحظ أن المصارف تنحصر في مجموعها في هذين النوعين: المصالح الفردية، والمصالح العامة للإسلام.
ويعتبر المورد الأول الأصل في النظام المالي للدولة الإسلامية، فبالإضافة إلى تأكيدات الآيات الصريحة التي لا تقبل التأويل باعتبار الزكاة علامة الإيمان والرضا بالإسلام، كما يؤخذ من آيتي التوبة ?فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ? [التوبة: 5] ، ?فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ? [التوبة: 11] ، فإن أعمال النبي عليه السلام وأقواله وأعمال الصحابة من بعده تؤيد هذا الاعتبار، أعني اعتبار الزكاة أصل الأنظمة الاقتصادية في الإسلام، وتؤيده بطريقة لا تترك لدولة إسلامية أن تتخلى عنه أو تتهاون في أمره، ففي الحديث: «من أعطاها مؤتجرا فله أجرها -أي الزكاة- ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا .. » ويبدو أن قتال أبي بكر للمرتدين حين امتنعوا عن أداء الزكاة لم يكن تثبيتا لمبدأ الإسلام ولا توطيدا لأركانه وعقائده في أذهان الناس، وإنما كان في الحقيقة والواقع قتالا لتحقيق أهم شريطة من شرائط الإسلام، وهي الزكاة في صورتها التنفيذية العملية لا العقدية، لأن أبا بكر أدرك بثاقب نظره أن دولة متضعضعة في الاقتصاد مزعزعة في نظامها المالي لا تقوم لها - وبالتالي لعقائدها- قائمة، ومن هذه الوجهة فحسب قاتلهم وطاردهم مؤكدا في عزيمة المؤمن بما يفعل: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤذونه لرسول الله لقاتلتهم عليه، ومن هذه الوجهة كذلك استطاع أبو بكر أن يلجم المعارضة التي هبت في وجهه، بدعوى عدم صحة وجواز قتال من يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
وحين نقول الزكاة نقصد الزكاة بجميع أنواعها وفي جميع فروعها، أعني زكاة الغلات الأرضية والماشية وزكاة النقد والعروض أيضا، لأن النص القرآني الوارد في شأن وجوب الزكاة ورد مطلقا لا تخصيص فيه ولا استثناء، ولأن النبي عليه السلام قبض زكاة النقد والعروض كما يثبت ذلك حديث علي عنه (ص) قال: قد ?