فهرس الكتاب

الصفحة 869 من 5287

دعوة الحق، س.2، ع3 /دجنبر 1958 ص 33

للأستاذ: عبد الحق بنيس

أصبح العلماء اليوم، وفي جميع أنحاء العالم المتمدن، يولون أهمية قصوى للمباحث الاجتماعية، هذه المباحث التي يشكل التاريخ عنصرا هاما فيها، ولكن يقصد بالتاريخ هذا المفهوم الجديد الذي أعطته إياه ثورة نحن بصدد شرحها في هذا المقال. ولا غرابة في ذلك، فمفاهيم الأشياء خاضعة للتطور والتبدل، أو لما يدعوه ابن خلدون (توفي في القرن الرابع عشر للميلاد) بالصيرورة، وهذه الصيرورة خاضعة بدورها إلى عاملي الزمان والمكان، وهي تعطي للأشياء مفاهيمها وأشكالها المتفق عليها. ولهذا فلا مناص بادئ ذي بدء، أن نرسم خطا بيانيا لتطوير المعرفة البشرية بوجه عام، وهذا الرسم سيوضح لنا عدد المراحل التي مر منها مفهوم التاريخ.

لقد كانت المعرفة في العصور القديمة وحدة لا تنفصم عراها ولا تنفصل أسبابها، وكانت الحكمة تشمل كل أنواع المعرفة، فالحكيم، عند قدماء الصينيين والهنود، هو الذي اشتهر باعه في شتى مرافق الثقافة والعلم، فهو الذي يشرع ويسن القوانين، وهو الذي يعرف أسرار هذا الكون، بل هو صلة الوصل بين البشر (والآلهة) التي كانوا يعبدونها، وهو الذي يعرف أسرار السحر، لأنه يعلم مبادئ في الرياضيات والطب والتنجيم والفلك وما شاكل، وبالجملة فهو العالم أو الحكيم أو الفيلسوف، وكلها ألفاظ مترادفة كانت تطلق على من يدعى في العلم معرفة!

هكذا كان مفهوم الحكمة عند القدماء من سكان الشرق الأقصى، وقد ظل المفهوم بعينه سائدا عند قدماء المصريين واليونانيين. ألم يكن سقراط الحكيم فيلسوفا ملما بجميع معارف عصره! ألم يأخذ على عاتقه إنارة السبيل للغافلين والضالين من الناس؟ ومن يستطيع إنارة السبيل غير الذي يعرف كل أنواع المعرفة؟

هذا وقد ازداد هذا المفهوم تبلورا عند العرب في القرون الوسطىـ مع مراعاة عامل الزمن في التطور ـ وأضحى العالم في بغداد أو دمشق أو فاس أو غرناطة مثلا، أقول أضحى العالم يلم بأصول الفقه والحديث والتوحيد والتفسير، وبقواعد النحو والبلاغة وما يتعلق باللغة وآدابها، يضيف إلى ذلك علوما أخرى ـ أطلق عليها العرب اسم العلوم العقلية ـ كالمنطق والفلسفة والرياضيات وغيرها، وفي العصر الحاضر مازال العرب الذين يعيشون على هذه الحضارة، يقولون عن المثقف الذي فاق علوم كثيرة «إنه جاحظ عصره» وذلك تشبيها له بالجاحظ الذي أحاط بكل ما عرف في عصره من آداب وعلوم.

هكذا بقيت المعرفة وحدة متماسكة لا تعرف الانفصال ولا الانفكاك، وما إن أطل القرن السابع عشر حتى جاء بفكرته الانفصالية. وهي الفكرة التي نادت بالتخصص. ولهذا النداء ما يبرره لأن اتساع دائرة الأبحاث العلمية لم يعد يسمح للشخص الواحد أن يعي جميع العلوم ويهضمها ويتصرف بها، بله أن يبدع أو يبتكر فيها. لم يكن بد من أن تتحرر الفلسفة (بمعناها الشمولي) من أبحاث أخذت اسم «العلم­» وبدأت تشق طريقها نحو النضج والكمال. وأول ما امتازت به هذه العلوم هو تحديد طريقة للبحث يسير على منهاجها كل عالم أراد الوصول إلى الحقيقة العلمية ... ولئن استقلت علوم كالفيزياء والرياضيات عن الفلسفة إلا أن أبحاثا أخرى ما فتئت تدخل في نطاق المعرفة الفلسفية، غير أن هذا الانفصال سيحصل ولكنه سيتأخر إلى القرن الماضي. وهو ما سميته بالثورة في مفهوم التاريخ وما شابهه من علوم إنسانية.

هذه صورة سريعة تبين الخطوط الرئيسية التي مرت بها العلوم والآداب في تطورها. والقصد من هذا الاستقراء السريع، أن نفرق إلى أي حد ساير التاريخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت