فهرس الكتاب

الصفحة 2964 من 5287

دعوة الحق، س4، ع3 /دجنبر 1960 ص38

التوفيق بين الشريعة والفلسفة: موازنة بين ابن رشد وسابقيه

للأستاذ عبد اللطيف ملين

كتب الأستاذ ليون غوتييه في كتابه «مدخل إلى دراسة الفلسفة الإسلامية» (1) ما يلي:

«إن فكرة التوفيق بين الفلسفة والديانة تبدو كالفكرة الغالبة والأصالة الرئيسية لهذه الفلسفة اليونانية الإسلامية» ص 121. وزاد بعد ذلك بقليل قائلا: «جميع مؤرخي الفلسفة الإسلامية قد أخطئوا، من نواحي مختلفة، في الكشف عن الروح الحقيقية لهذه الفلسفة التي تكون نظريتها الأساسية (أي التوفيق بين الدين والفلسفة) في رأينا بكل دقة، أصالتها الرئيسية. ص 133.

وقد عزز ليون غوتييه نظريته هذه بدراسة مستفيضة لموضوع التوفيق في الفلسفة العربية، وانصب جهده بالأخص، على رسالة ابن رشد المسماة «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» حيث قدم دراسة لنيل الدكتوراه سنة 1909 (2) .

إلا أنه فيما يخص النظرية العامة لغوتييه يمكن أن نلاحظ الملاحظة العامة الآتية: وهي أن نظريته تصح بالنسبة للفلسفة اليونانية العربية بالمعنى الصرف أكثر مما تصح بالنسبة لمجموع الفلسفة العربية أي بإضافة مذاهب المتكلمين والمتصوفين. إذ تعبير «الفلسفة اليونانية الإسلامية» الذي يستعمله الباحث، خليق بأن يعني مذهب الفلاسفة الذين تأثروا باليونان ثأثرا عميقا. وليس يحق إطلاق تسمية: (الفلسفة اليونانية الإسلامية) على جملة المواضيع التي ينقسم إليها ميدان هذه الفلسفة العربية الواسعة. مذهب الفلاسفة إذن وهم المعروفون باسم فلاسفة الإسلام، هو الذي تنطبق عليه تسمية (فلسفة يونانية إسلامية) . وإلا فهناك خطأ في التعبير، إذ محاولة التوفيق عند المتكلمين كانت تخص الدين والنظر العقلي، أي رد كل شيء في الدين إلى العقل وتعليله به وحذف كلما يخالف منطق العقل أو تأويله، وليس الجمع بين الدين والفلسفة بمعنى أن الفلسفة هي جملة المعارف الفلسفية التي تلقاها العرب عن اليونان والتي تكون مذهبا مقررا منتهيا أي مدرسيا.

فإذن نظرية غوتييه تصح أكثر ما تصح في قسم من الفلسفة العربية وهو مذهب الفلاسفة الصرف ولا تتعداه إلى مذاهب المتكلمين، اللهم إلا إذا فهمنا من لفظ فلسفة «نظرا عقليا مستقلا» غير مقتصر على مذهب الفلاسفة فإننا نلاحظ انطباق نظرية غوتييه انطباقا تاما على هذا المذهب وتعبيرها عن طابعه العام تعبيرا صادقا.

وفي الإمكان على ما أرى تعديل كلام ليون غوتييه على الشكل التالي: الطابع العام للفلسفة العربية هو في محاولتها التوفيق بين الدين والفلسفة باعتبار هذه الأخيرة بحثا عقليا مستقلا، لا مذهبا معينا من المذاهب، وبهذا يمكن إدخال أقسام الفلسفة الأخرى كمذهب المتكلمين والمتصوفين.

ولاتساع موضوع الفلسفة العربية وتشعب نواحيه، سنقتصر في موازنة نحاول أن نقيمها بين ابن رشد وسابقيه من العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت