فهرس الكتاب

الصفحة 4366 من 5287

دعوة الحق س5، ع10 - يوليوز 1962 ص24

للأستاذ: أبو الحسن علي الحسني الندوي

إذا تساءلنا ما هو اليوم- من أيام التاريخ- الذي يستحق من الإنسانية أعظم تقدير وإجلال، ويستحق أن يذكر فلا ينسى، ويستحق أن يعتبر اليوم الخالد والخط الفاصل في ادوار التاريخ، وبين عهد وعهد بل بين عالم وعالم؟.

وإذا تساءلنا ما هو اليوم الذي تشترك في إجلاله والاحتفال به وإبداء السرور فيه الإنسانية على اختلاف طبقاتها واختلاف أممها وشعوبها، واختلاف نزعاتها وفلسفاتها، لأنها سعدت فيه بعد شقاء طويل، ونهضت فيه بعد عثرة دامت قرونا؟.

وإذا تساءلنا ما هو اليوم الذي يعتبر ميلاد العالم الجديد وفاتحة العهد السعيد، ورمز انتصار الفضيلة على الرذيلة، وقى الخير على قوى الشر، والعدل المساواة، والرحمة والمواساة، على الشقاوة والقساوة، والبهجة والضراوة، وانتصار الحياة المنظمة والشريعة الكاملة على شريعة الغابات وقانون العصابات، وبالاختصار انتصار العلم والإيمان على الجاهلية بأوسع معانيها انتصارا خالدا؟.

وإذا تساءلنا ما هو اليوم الذي ولدت فيه قوة جديدة نشيطة لمكافحة الشر وصد تيار الفساد لتكوين المجتمع الجديد القائم على أساس الإيمان، والعمل الأصلح والتقوى وخدمة الإنسانية مؤلفة من أفضل رجال (اقل الناس تكلفا وأبرهم قلوبا وأعمقهم علما) يغامرون بحياتهم وإمكانياتهم وما هم فيه من رفاهة وسعة عيش وهناء بال في سبيل سعادة المجموع البشري، وإخراجه من ظلمات العصر القديم إلى نور العصر الجديد، ومن عبادة الناس جميعا إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، يتحملون في سبيله كل غائلة وخسارة وكل تطور وانقلاب، لا يثنيهم عن ذلك عداء أو خلاف ولا يحملهم على عكس ذلك وداد أو صداقة «أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم» .

وإذا تساءلنا ما هو اليوم الذي ولدت فيه الأمة العربية ولادة جديدة، بل ولدت فيه لأول مرة وظهرت على مسرح التاريخ أول مرة، واستحقت أن تسمى «الأمة» أول مرة. فقد عاشت قبل ذلك قبائل متشتة وعصابات متناحرة، وسيادات متحاربة وشعبا يعيش على حاشية الأمم وفي عزلة عن العالم. لا شأن له في مجاري الأمور أو مصير الأمم، وسياسة الدول، ومناهج الحياة، وأخلاق المجتمعات واتجاه الإنسانية وميولها، ولا سهم له في المكتبة العالمية، غير قصائد قيلت في حوادث محلية وأغراض تافهة تجلت فيها عبقريته الغوية وحريته الفردية وقوته في التعبير وسعة لغته يقولها فتنشر في باديته وحواضره وتبلغ أوج التقدير والاحترام فتعلق في الكعبة من غير أن يطلع عليها الأدباء والمثقفون في خارج الجزيرة العربية أو تنقل إلى لغة من لغات العالم المتمدن، ويعرف هذا الشعب بصدق لهجته وقوة عارضته وجودة خيله وشغفه بالحرية والمساواة والبساطة والتقشف في الحياة، وشدة القتال في الحروب وحسن الثبات والمحافظة على الأنساب أفضل أخلاق وسجايا ومواهب بعرف بها شعب من شعوب الأبدية، فأذل بهذا الشعب المنطوي على نفسه القابع في بطون جزيرته يصبح امة تقرر مصير الأمم وتغير اتجاه العالم، وتفرض على المجتمع الإنساني مدنيتها المقتبسة من الدين الجديد المتشعبة بروح التقوى والأمانة وتصبح لغتها المحصور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت