دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 95
دعاة مغاربة: عبد الله بن ياسين
الأستاذ: محمد علي الكتاني
يزخر التاريخ المغربي بكثير من الوجوه اللامعة التي تستحق من الباحثين والمنقبين أن يميطوا عنها اللثام، وان يظهروها للعيان بارزة الملام، سافرة الجمال وضاحة الجبين.
ورغم أن السير في هذا الطريق شائك ووعر، ويتطلب الكثير مكن الصعوبات ويحتاج إلى كثير من الجهود، فان النتيجة حسنة على كل حال، وفيها خدمة لمظهر من مظاهر عزتنا ما زال أستار لم يكشف عنه بعد ..
وأمام الباحث الكثير من الشخصيات البارزة، التي قدمت للبشرية كثيرا من الخدمات، ورفعت رأس الإنسانية عاليا، وبرهنت عن حيوية جديرة بالإعجاب، وعن ذهبية قمينة بالخلود. وليس ذلك يرجع إلى مقومات خاصة عملت عملها، أو إلى توجيه أو إيحاء أثر أثره، وإنما يرجع ذلك إلى سر يكمن في نفوس هؤلاء، وبواسطته استطاعوا أن يبرزوا على مسرح الأحداث عمالقة من عمالقة التاريخ ودهاقنة من دهاقنته! فالعظمة-أحيانا- لا تستمد مقومات من الدرس والعمل والاحتكاك، ولا تهيئ دعامتها من الاتصال واللف والدوران، ولكنها تبرز سافرة لا يزينها إلا نفسها، ولا بحليها سوى ما يكمن فيها من إبداع، وما يختفي فيها من أسرار ..
وأمامي نماذج من هذا الصنف ظهروا على مسرح التاريخ المغربي، وساهموا في خلق بنيانه، وكانوا لبنة من لبناته. على سواعدهم نهض وبمجهودهم ظهر للعيان قويا يتحدى الزمن ويصعد أمام الأحداث، وليس من شأني أن اختار أو انتقي فكلهم عظيم و فذ، وكلهم كانوا شعلة نبرة تضيء الأرجاء وتوضح السبل، وإنما همي أن أقدم واحدا من هؤلاء كان له هدفه في الحياة، وكانت سياسته تتسم بطابع الدعوة إلى الله، وتحت على التمسك بأهداب الدين، وبواسطة ذلك بنى مجدا وانشأ دولة وخلف ذكرا حميدا.
وسأحاول أن أصور نفسيته وأخلاقه، واستعرض بعض أعماله التي قد تخفى على الكثير، وفيها مظهر عظمته، وتستطيع بهذه الصورة الكاملة أن نجعل القارئ يحيا مع هذه الشخصية، ويتقمص حاضرها، ذلكم الحاضر الذي تألقت فيه وشهدت مظاهر انتصار، وعوامل نجاح، وظهر فيه الصراع القوي بين الإيمان والجهل والعقيدة والتعصب.
وبعد، فمن هو صاحب هذه الشخصية؟ أنك ولا شك عرفت أنه البطل المجاهد ابن ياسين الجز ولي، مهدي المرابطين، وباعث الروح في قبائل الصحراء. وأحب أن ألاحظ هنا ظاهرة واضحة في ظهور الدول التي تعاقبت على الحكم في بلاد المغربية، فغن ظهورها كان يعتمد-من جملة ما يعتمد عليه- على دعاة دينيين أو على حركة دينية، وبهذه الوسيلة كانت الدول القائمة تجد سندا يدعم لها النجاح، ويقودها إلى الفوز، فلم يسجل التاريخ أن دولة في المغرب اعتمت على حركة سياسية ظاهرة، أو دفعت المؤسسين لها دوافع تهدف إلى المصلحة الشخصية أو التملك لأجل الملك. وهذا أن دل على شيء فغنما يدل على تمسك الشعب المغربي بعقيدته، وإيمانه العميق الذي لا يتطرق إليه الشك، أو يعتريه الاضطراب. وتلك هي السمة التي جعلت هذا الشعب يتكتل ويتحد ويمتزج، رغم اختلاف عنصر السكان، فانمحت الفوارق وضعفت العصبيات، وتلاشت الحزازات التي تنشأ عن اختلاف