فهرس الكتاب

الصفحة 4148 من 5287

دعوة الحق، س5 - ع7 أبريل 1962 ص4

بقلم الدكتور محمود علي مكي

لم يختلف الباحثون المحدثون -ولا سيما الغربيون منهم- حول شيء قدر اختلافهم في نشأة التصوف الإسلامي، وقد عنى المستشرقون أنفسهم من تلمس مصدر اجنبي للتصوف، فنسبه بعضهم للرياضيات الروحية التي كان يقوم بها الهنود، ونسبه آخرون الى أصول ايرانية قديمة، وقال آخرون ان جدور التصوف الإسلامي يهودية أو مسيحية، وكان كل لون من ألوان الفكر العربي ينبغي أن يرد إلى أصول غريبة عن الإسلام.

والواقع أن التصوف إسلامي محض، له شخصيته المتميزة القوية، وقد كان يستمد أولا قبل كل شيء من حياة الزهد والتقشف التي كان الرسول (ص) وبعض الصحابة رضي الله عنهم يحيونها، ثم تطور هذا الزهد والتبتل كما تتطور سائر ألوان الفكر وتسير من البساطة الى التعقيد، وهكذا انتهت الى التصوف كما نعرفه على مر العصور، وهذا لا يمنع أن يكون التصوف قد تاثر قويا من خلال هذا التطور والنمو الطبيعيين برواسب الثقافات القديمة ولا سيما بالرهبنة المسيحية وبالافلاطونية الحديثة، على أن التصوف الإسلامي ظل دائما محتفظا بشخصيته المستقلة القوية، وقد باشر بعد ذلك آثارا عميقة في تفكير مسيحية العصور الوسطى كما هو معروف.

كذلك اختلف في أصل اشتقاق لفظ التصوف، والأرجح انه يرجع إلى أن اللباس الذي كانت تتميز به هذه الطائفة من الزهاد كان ثياب الصوف رمزا إلى الخشونة والتقشف.

وقد ارتبط التصوف منذ نشأته بالزهد كما ذكرنا، غير انه بمرور الزمن فرق رجال الصوفية بين طائفتهم وبين الزهاد، اذ أصبحوا في مرتبة أكثر سموا، بل كانت نظرتهم إلى الزهاد مشوبة بشيء من التعالي كما جاء في هذا الخبر الذي يرويه أبو نعيم الاصبهاني عن الصوفي المصري ذي النون حيث يقول: (العارف متلوث الظاهر صافي الباطن، والزاهد صافي الظاهر متلوث الباطن) وليس معنى ذلك أن الزهد لم يعد من لوازم المتصوف، وإنما أرادوا به أن الزهد في ظاهره يمكن أن يكون مصطنعا لسبب من أسباب الدنيا وأن التصوف الحقيقي لا يرتبط بهذا المظهر الخارجي.

وقد ارتبطت البيئة المصرية منذ قديم بالتصوف حتى قبل تحول مصر إلى الإسلام، فالرهبانية في المسيحية مثلا مصرية النشأة منذ أن أسس القديس المصري باخوم في القرن الرابع الميلادي أول مجموعة من الأديرة، وقد انتشر هذا النظام الرهباني بعد ذلك إلى سائر بلاد المسيحية في العالم، بل كانت مشاركة مصر في التصوف سابقة على ذلك منذ نشوء الافلاطونية الجديدة في رحاب هذه البلاد، وربما كانت البيئة المصرية بما احتوت عليه من آثار قدماء المصريين الرائعة مما أوحى بالكثير إلى أهل التفكير الصوفي منذ زمن عريق القدم، فان تلك الآثار كان من شأنها أن تثير لدى هؤلاء المنقطعين إلى عبادة اله رغبة في التأمل الباطني العميق، وسنرى ذلك ظاهرا في التفكير الصوفي عند أول صوفي مصري جدير بهذا الاسم وهو ذو النون الخميمي. وهكذا كان لمصر نصيب كبير في نشأة هذا اللون من الحياة الروحية الإسلامية، وتحدثنا المراجع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت