دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص4
للأستاذ: عبد الكريم غلاب
على رسلك ...
قلت أنا الثائر، وليست الأوقاف في المغرب هي التي استهدفت للثورة. وإنما مجال الثورة كان هو الشق الآخر من بلاد المغرب العربي: هو تونس.
ثارت ثورتها الأولى على الأوقاف العامة، واستمرارا في سياسة المراحل ثارت ثورتها الثانية على الأوقاف الخاصة والمشتركة.
كانت الثورة الأولى في 31 مايو من سنة 1956 ضد الأوقاف التي تصرف فائدتها للإسعاف والصحة والتعليم والشعائر الدينية، وقد حولت أموال هذه الأوقاف - المنقول منها والثابت - إلى الدولة وألحقت بالميزانية العامة، وتكفلت الدولة بالإنفاق على المشروعات التي كانت تستفيد من الأوقاف.
ثم صدر أمر آخر في 18 يوليه الماضي 1957 يمنع الأوقاف الخاصة والمشتركة، ويحدد مصير الأوقاف الموجودة فحلت الملكية محل الوقف (وتحررت مئات الآلاف من الهكتارات الفلاحية من قيود الوقف المضروبة على حرية استثمارها، وإمكانية تداولها، وأقر جانب كبير من أهل البادية بأراضي الأوقاف في مقابل ما قاموا به من إحياء مواتها وما صرفوه عليها من مجهوداتهم المضنية تشجيعا لهم على تكوين ازدهار اقتصادي يفيد البلاد أكثر من استفادة المستحق للوقف بمئاب ضئيل لا يسمن ولا يغني من جوع) (1)
والثورة كانت منطقية ومعقولة إذا نظر إلى الأوقاف على أن لها هدفا اقتصاديا واجتماعيا، وإذا نظر إلى الموقوفات على أن لها أثرا في النظام الاقتصادي والاجتماعي. وكانت معقولة أيضا إذا بحث موضوع الأوقاف بفكر جديد متحرر واقعي لا تشغله كلمة المحبس بقدر ما يهتم للهدف الذي يرمي إليه المحبس، ولا يعني بالشكل بمقدار ما يهتم بواقع الأمر وحقيقة المصير الذي آلت إليه الأوقاف وما تحدثه في الحياة الاقتصادية والاجتماعية من خلل كان يراد منها أن تصلحه، وما تحدثه بين المستحقين من نزاع وخصومات لم تكن هدف الواقف ولا الغاية من أريحيته وإحسانه.
وإذن فكل الظروف التي تمت فيها الثورتان التونسيتان على الوقف كانت شفيعا للثائرين وحجة سليمة عند النقاش أو الجدل لو كان الأمر عندهم محط نقاش أو جدل.
والأمر عندنا -بالطبع- على غير ما هو في تونس، فإن الأوقاف العامة من المتانة والقوة بحيث لا تنال منها زعازع الثورات المجاورة، كانت الأوقاف على عهد ما قبل الحماية- وأحسب أنها لا تزال - غنية مشبعة بالغنى واليسر. وكانت -وأحسب أنها لا تزال- تؤدي خدمة كبرى في المجال الاجتماعي والديني. وكانت -وأحسب أنها لا تزال - تتمتع بشيء من الحصانة الصوفية المنبعثة من الروح الدينية التي أملت على الواقفين أن يتبرعوا بأموالهم وعقاراتهم حتى أن المستفيدين كانوا يقنعون بالقليل وإن بلغ هذا القليل عشر فرنكات شهريا في بعض العهود.
رغم كل هذه الحصانة، فإن الأوقاف استهدفت لاضطراب مادي ومعنوي كان بعضه مما سببته الحماية وكان معظمه مما سببه سوء التصرف وسوء الفهم لمهمة الأوقاف ولما ينبغي أن تقوم به.
والذي أعتقده أن عهد الاستقلال قد يستطيع أن يقضي على سوء التصرف فلا يلي أمر الأوقاف - سواء أكانت من الأوقاف العامة أو الخاصة - إلا من توفرت فيهم شروط النزاهة والمقدرة، ولست أعني المقدرة الإدارية فحسب، ولكنني أعني إلى جانبها المقدرة الفكرية أيضا، فإن ناظر الأوقاف إذا لم يستطع أن ?
(1) من تقرير وزير العدل التونسي عن قرار إلغاء الوقف الخاص والمشترك