دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص3
القوانين الطبيعية نفسها. وطالما تستدعي الأخلاق أن تظهر لعمل من أعمال الإنسان نتيجة خاصة، ولكنها لا تظهر إلا منقلبة بالمرة، وذلك لما فيه من التدخل وعليه من السيطرة للقوانين الطبيعية. نعم، لا شك أن الإنسان قد بذل بعض سعيه - بواسطة نظامه الاجتماعي والسياسي - لأن تظهر النتائج الخلقية لأعماله وفقا لقاعدة معينة، ولكن الحقيقة أن ليس سعي الإنسان هذا إلا على نطاق ضيق محدود جدا، وهو في غاية النقص والعيب، ففي جانب تجعله ناقصا قوانين الطبيعة، وفي الجانب الآخر يزيده نقصا إلى نقصه وعيبا إلى عيبه ما في نفس الإنسان من مواطن الضعف.
وها أنا ذا أريد أن أشرح لك ما قد بينته للآن ببعض الأمثلة:
إن رجلا يبغض رجلا آخر ويعاديه؛ فإذا أحرق بيته فإن النتيجة الطبيعية لعمله أن يحترق ذلك البيت، وأما نتيجته الخلقية فإنما يتوقف ظهورها على أن يعثر على الرجل الذي أحرق البيت، ثم على أن تقبض عليه الشرطة، ثم على أن تثبت عليه الجريمة، ثم على أن تقدر المحكمة تقديرا محكما قاطعا ما لحق بأهل ذلك البيت وسلالاتهم المتعاقبة من الضرر والخسارة لأجل جريمته، ثم على أن تحكم عليه المحكمة بما يساوي جريمته من العقاب، فتلك هي الشروط التي لا بد من استيفائها وتحقيقها لظهور النتيجة الخلقية لهذا الفعل الواحد من أفعال الإنسان، حيث إذا تخلف منها شرط ولم يتحقق على الوجه الصحيح الكامل، فإما أن لا تظهر النتيجة الخلقية أصلا أو يظهر منها جزء ضئيل جدا، على أنه ليس من المستبعد في هذا النظام أن الجاني بعد إبادة خصمه وإفنائه يسلم من المؤاخذة ويبقى طول حياته فرحا لا يخاف أحدا ولا يخشى عقابا.
ولك أن تأخذ الآن مثالا آخر على نطاق أوسع:
إن عصابة من الناس يخلقون لأنفسهم التأثير والنفوذ في شعبهم ويستحوذون عليه حسب ما تأمرهم به شهواتهم وأمانيهم، ثم يستغلون هذا الوضع وينفثون في شعبهم روح القومية والوطنية ويحرضونه على فتح العالم واستعباد أممه وشعوبه، ثم ينشبون الحرب على ما يجاورهم من الشعوب ويهلكون فيها الحرث والنسل ويطيلون الأيدي بالنهب والسلب: يقتلون مآت الألوف من خلق الله ويشردون آلاف الألوف منهم من ديارهم ويستعبدونهم ويرغمونهم على العيش الذليل المهان، وأعمالهم هذه قد تطول آثارها السيئة في الأجيال المتعاقبة إلى آلاف مؤلفة من السنين، فهل تظن أنه من الممكن أن ينال هؤلاء الأفراد القليلون جزاءهم في هذه الحياة الدنيا كاملا مساويا لفداحة جرائمهم وجسامة المضار التي ألحقوها بخلق الله لا لشيء إلا لبلوغ مطامعهم الاستعمارية الجشعة؟ كلا، فإن ذلك من المستحيل بحكم القوانين الطبيعية التي يجري عليها نظام الكون ولو قتلوا تقتيلا وأحرقوا أحياء وعوقبوا بأقسى ما يستطيع الإنسان ويخطر بباله.
وخذ كذلك أولئك الصالحين الأبرار الذين خدموا النوع البشري وعلموه الخير وأناروا له طريق الرشد والصدق والسلام وما زالت الأجيال المتعاقبة منذ آلاف من السنين -ولا يعلم إلا الله إلى كم آلاف من السنين لا تزال - تقتبس من نورهم وتقتدي بآثارهم وتستهدي بأعمالهم.
فهل من الممكن بوجه من الوجوه أن ينالوا جزاءهم على أعمالهم وخدماتهم كاملا في حياتهم الدنيا؟ وهل تظن أنه من الممكن في ضمن حدود القوانين الطبيعية التي يجري عليها نظام الكون الحاضر أن ينال الرجل جزاء كاملا غير منقوص على عمل من أعماله ترك تأثيره في عدد لا يحصى من خلق الله وطال رد فعله إلى آلاف من السنين بعد موته؟
فكما قد تبين لك آنفا أن قوانين الطبيعة التي يسير عليها نظام الكون الحاضر، لا تتسع لأن تترتب فيها النتائج الخلقية لأعمال الإنسان على الوجه الكاملـ ثم أن كل عمل يأتي به الإنسان في حياته القصيرة هذه تكون دائرة رد فعله واسعة جدا وقد تطول سلسلته إلى مدة مديدة حتى ليحتاج الإنسان لاقتناء ثمراته والحصول على نتائجها الكاملة أن يعمرآلافا بل مآت آلاف من السنين، وذلك ما لا يمكن أن يتحقق تحت القوانين الطبيعية. وتعرف من ذلك أن هذه الدنيا وقوانينها الطبيعية وإن كانت كافية واسعة لما في ذات الإنسان من العنصر الجمادي والعنصر النباتي والعنصر الحيواني ولكنها لا تكاد تكفي لعنصره الخلقي، وهو في حاجة إلى نظام للكون آخر لا يكون القانون الحاكم Gove صلى الله عليه وسلم ning Low فيه إلا القانون الخلقي ولا تعمل فيه القوانين الطبيعية إلا مساعدة له، ولا تكون الحياة فيه محدودة ليترتب كل ما كان لم يترتب أو إنما كان ترتب منقلبا في الحياة الدنيا الطبيعية من نتائج أعمال الإنسان، ويكون الوزن والقيمة فيه للصدق والحق دون الذهب والفضة، ولا تحرق فيه النار إلا ما كان مستحقا للاحتراق أخلاقا، ولا ينال السعادة والنعيم والأمن والرفاهية فيه إلا من كان صالحا، ولا الضيق والعذاب إلا من كان فاجرا -إن هذا النظام لمن عين ما يقتضيه عقل الإنسان وتطالب به فطرته.
انظر البقية على الصفحة 8
دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص8
-تابع الصفحة 3 -
هذا هو الاستدلال العقلي، ولك أن تتقدم الآن خطوة أخرى:
الحقيقة أن الاستدلال العقلي إنما يرشدنا إلى حد «يجب أن يكون» ثم يتخلى عنا. أما: هل لنظام مثل هذا النظام وجود في واقع الأمر فإن كلا من عقلنا وعلمنا عاجز عن أن يحكم فيه بشيء. فهناك يأخذ بيدنا القرآن ويقول: إن الذي يقتضيه عقلكم وتطالب به فطرتكم، كائن لا محالة ? وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا ? [الكهف: 21] ، وسيأتي على نظام الكون القائم على قوانين الطبيعة يوم سيفنى فيه ويعقبه نظام للكون آخر ستكون الأرض والسماء وكل شيء فيه على هيئة غير هيئته الحاضرة، والله تعالى سيحيي فيه كل من ولد ومات منذ أول الخلق إلى يوم القيامة من أبناء البشر ويحشرهم جميعا بين يديه في آن واحد: وهناك سيجد كل فرد وكل أمة والإنسانية بقضها وقضيضها ما قدمت من الأعمال في الحياة الدنيا مسجلا محفوظا بدون نقص ولا خطأ ولا هفوة. وهنالك سيجد الإنسان كل صغير أو كبير من أعماله بكل ما طال من سلسلة رد فعله في الدنيا وتشهد له أو عليه جميع السلالات والأجيال التي تأثرت به إلى حد ما، كما ستشهد له أو عليه كل ذرة من ذرات الأرض تركت عليها أفعاله وأقواله أثرا من الآثار، ستشهد له أو عليه يداه ورجلاه وعيناه وأذناه ولسانه وجلده وكل جارحة من جوارح جسده: كيف وفي ما استعملها في حياته الدنيا؟. ثم سيحكم عليه أحكم الحاكمين - جل ثناؤه وتباركت أسماؤه- بكل عدل ويجازيه حسب أعماله وشهادة الشاهدين بما يستحقه من النعيم أو العذاب. وسيكون كل من هذا النعيم والعذاب على نطاق واسع لا يمكن تقديره حسب المقادير المحدودة الضيقة التي نعرفها الآن في نطاق العالم الحاضر، وسيكون المقياس هناك للوقت والمكان مغايرا عما هو في النظام الحاضر، كما ستكون قوانين الطبيعة هناك غيرها في هذا النظام. وسينال الإنسان هناك جزاء كاملا بدون أي نقص على كل عمل من أعماله الحسنة التي بقيت تجري آثارها إلى آلاف السنين في نظام العالم الطبيعي بدون أن يقطع عليه الموت أو المرض أو الهرم ما سيكون فيه من النعيم والسعادة والفرح. كل عمل من أعماله السيئة التي ظلت تجري آثارها إلى آلاف من السنين في الحياة الدنيا بدون أن ينقذه الموت أو الغشي مما سيكون فيه من الألم والعذاب.
ولعمر الحق إني لا يسعني إلا البكاء على ضيق أذهان الذين يرون حياة مثل هذه الحياة ونظاما مثل هذا النظام من الأمور التي يستحيل وجودها. فإنه إذا كان من الممكن أن يوجد نظام العالم الحاضر بالقوانين الطبيعية الحاضرة، فلماذا من المستحيل أن يوجد نظام آخر بنوع آخر من القوانين؟ أما إنه سيكون حتما في واقع الأمر، فذلك ما لا يمكن تعينه ببرهان ولا بثبوت علمي، وإنما هو في حاجة إلى شهادة القلب والإيمان بالغيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.