فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص2

بل هو في مرحلته التي سيتنهي إليها آخر الأمر. إن الأول لا يكترث ولا يقيم وزنا إلا لنتائج أعماله التي عسى أن يراها قبل وصوله إلى الرباط، وأما الأخر فيجعل نصب عينيه دائما النتائج التي سيراها في الأرض التي سيبلغها عند انتهاء سفره. والظاهر أن هذا الفرق الكبير بين أخلاق الرجلين وأعمالهما إن هو إلا نتيجة مباشرة لما يعتقدان من النوع المختلف لسفرهما، فكذلك أن كل عقيدة يكون عليها الإنسان عن مصيره بعد الموت لها تأثير بالغ فيصل في كل ما يأتي به في حياته من الأعمال والأخلاق وهو لا يتقدم في ميدان العمل خطوة إلا ويكون تعين جهتها متوقفا على: هل يأتي بكل ما يأتي به من الأعمال في حياته الدنيا على أنها هي حياته الأولى والآخرة وليس له ولا عليه شيء بعد الموت، أم على أنه سيفضي بعد موته إلى حياة سرمدية أخرى ويرى فيها نتائجها ويقطف ثمارها حتما؟ فهو إن كان يتقدم إلى جهة في الصورة الأولى يتقدم إلى جهة تخالفها تماما في الصورة الأخرى.

وإذا عرفنا هذا، فلنا أن نقول إن مسألة الحياة بعد الموت ليست بمسألة عقلية فارغة أو فلسفية جوفاء، بل هي مسألة حياتنا العملية، وإذا كان الأمر كذلك فلا يمكننا أبدا أن نبقى في حياتنا مرتابين مترددين في هذه المسألة الأساسية، لأن كل سلوك نختاره في حياتنا مع التردد والارتياب لا يكون من حيث مظهره ونتائجه إلا مثل سلوك الإنكار المحض، فنحن مرغمون بطبيعة وجودنا وحياتنا في الدنيا على أن نقطع في هذه المسألة برأي حاسم إما بالإثبات أو النفي، فإن كانت العلوم التجريبية لا تساعدنا بشيء فلا بد لنا أن نستعين بمالنا من العقل وقوة الفهم والتبصر.

وتعال لنستعرض الآن ما عندنا من المواد للاستدلال العقلي:

أمامنا الإنسان في جانب، ونظام الكون الذي يعيش فيه في الجانب الآخر. فعلينا أن نضع الإنسان في هذا النظام وننظر، هل تتحقق في هذا النظام مقتضيات كل شيء في الإنسان أم يبقى فيه شيء لا تتحقق مقتضياته فيه وهو في حاجة إلى نظام من نوع آخر؟

انظر .... إن الإنسان -أولا- جسد يتركب من بعض المعادن والغازات والأملاح والماء. وبإزائه في الكون أنواع أخرى من المعادن والأملاح والأتربة والجبال والأنهار وما إليها من الأشياء من هذا الجنس. والقوانين التي تحتاج إليها هذه الأشياء في القيام بأعمالها، كلها جارية في الكون، وهي كما تعين الجبال والأنهار والرياح على القيام بنصيبها من الأعمال خارج الإنسان كذلك تعين الجسد الإنساني على القيام بعلمه.

والإنسان -بعد ذلك- جسد ينمو ويكبر متغذيا مما حوله من الأشياء كالهواء والماء. وبإزائه هناك من جنسه الأشجار والأعشاب والنباتات الأخرى في الكون تنمو وتكبر متغذية مما حولها. فكما أن سنن الطبيعة ونواميس الكون تنمو تحتها الأشجار والأعشاب والنباتات، ينمو الجسد الإنساني كذلك.

والإنسان بعد هذا وذاك جسد يتحرك بإرادته وينال غذاءه بالسعي والجهد ويدافع عن نفسه ويهتم بالإبقاء على نسله، وبإزائه في الكون كثير من أنواع هذا الجنس نفسه كالحيوانات في البر والبحر والفضاء فكما أن قوانين الطبيعة تعين هذه الحيوانات على الحياة والبقاء تعين عليهما الجسد الإنساني أيضا بدون نقص ولا تقصير.

ولكن .... فوق كل ذلك إن للإنسان وجودا من نوع آخر نسميه الوجود الخلقي. إن الإنسان فيه الشعور بالخير والشر، وهو يميز بينهما ويقدر على فعلهما، ومما تطالب به فطرته أن تظهر النتائج الحسنة إن فعل الخير والنتائج القبيحة إن جاء بالشر، وهو يفرق بين العدل والظلم والصدق والكذب والحق والباطل والرحمة والقسوة والإحسان والإساءة والسخاء والبخل والوفاء والغدر وما إليها من الصفات الخلقية الأخرى، وهي توجد في حياته بالفعل وليست بأمور من بنات الفكر والخيال المحض، فالذي تستدعيه بشدة الفطرة التي فطر عليها الإنسان أن تظهر لأعماله نتائجها الخلقية كما تظهر نتائجها الطبيعية.

ولكن هل لك أن تقول بعد إطالة نظرك في نظام الكون، إنه من الممكن أن تظهر في هذا النظام لأفعال الإنسان نتائجها الخلقية على الوجه الكامل؟ لعمر الحق إن ذلك مستحيل البتة، لأن هذا الكون ليس فيه - إلى حد علمنا - خلق له وجود خلقي غير الإنسان ولا يسير نظامه من أوله إلى آخره إلا على القوانين الطبيعية المحضة، حيث ليس للقوانين الخلقية دخل ما في ناحية من نواحيه. إن قطعة صغيرة من الذهب لها قيمة ووزن في هذا الكون، ولكن لا قيمة ولا وزن للصدق والأمانة، وإذا ما غرست فيه بذرة القمح فإنك لا تحصد منها إلا القمح، ولكن إذا غرست فيه الصدق والأمانة فقلما تحصد منها المدح والثناء وكثيرا ما تحصد منها الذم واللومة والاستهزاء والعقاب. إن العناصر المادية لها قوانين مضبوطة معينة في هذا الكون، ولكن لا قانون فيه للعناصر الخلقية، وقليلا ما تظهر فيه لأعمال الإنسان نتائجها الخلقية لما عليه من السيطرة والتأثير للقوانين الطبيعية، وهي إن ظهرت بعض الأحيان فإنما تظهر على قدر ما تسمح لها بالظهور ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت