فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص17

للأستاذ: محمد الحبيب

-2 - جاء الإسلام - كما قلنا - تحريرا للإنسان ومواهبه من جميع أنواع العبوديات، ومن جميع مظاهر السيطرة الفكرية أو الاجتماعية أو السياسية - وجاء ثورة روحية، وتنظيمية اجتماعية، تفرغ المجتمع الإنساني في تشكيلة نظيفة واعية، تفتح أمامه الإمكانيات كلها، للسمو والتكامل، والتطور في الحياة - كما حرر الإسلام علاقة الإنسان بالله من جميع الوسائط والأوهام، وأسلمه لعقله ووجدانه ليتلمس الله والطريق إليه عن طريقهما، ووضع عقيدته في هذا الباب تحت مسؤوليته الخاصة، ليتجه بنفسه وروحه إلى الله وجها لوجه: (إياك نعبد وإياك نستعين) .

الإسلام في واقعه:

والإسلام في واقعه التاريخي، ظل في أغلب مراحله خاضعا للسلطات السياسية، التي كانت تتلبسه بدل أن يتلبسها، والتي كانت في أغلب الحالات خاضعة لنفسية وميول الشخصية السياسية، التي تملك الموقف في زمان أو مكان ما، وأريد أن أقول إن الدين الرسمي للدول الإسلامية، والروح التسلطية التي كانت تسود أغلب ملوك الإسلام - إلا النادر- هي التي سلكت بمبادئ الإسلام، وأصوله، هذه الوجهة التي قلصت من نفوذها، والتي انمسخت بها حتى انعكست ظلالا شاحبة في محيط الحياة العامة للناس.

وقد انضاف للسلطة السياسية، في تقليص معنوية روح الإسلام، وسد الأبواب والإمكانيات (الرسمية) الكبرى، أمام بلورتها في حياة الناس عامل آخر هو موقف الفقهاء ورجال الدين:

الفقهاء الذين انجرفوا هم أنفسهم في تيار السلطة السياسية، وكانوا - أغلبهم في أكثر الأحيان- سدنة رجال النفوذ، وخدام السلطة السائدة ومؤولي الشريعة حسب الميول والرغبات، كما كانت ظواهر الجمود والتقليد، والتزمت والتشدد المتحرج، أحيانا كثيرة هي الطابع الذي يسود أوساطهم، وقلما آمن الفقهاء، أن رسالتهم الإنسانية أقدس من رسالة أعظم ملك، وأن مهمتهم أشق من كل مهمة تحملها مسؤول، وقلما نعثر في التاريخ على أمثال أبي حنيفة، ومالك ابن انس وابن تيمية وابن القيم، وابن حزم أحمد بن سعيد، وأسد بن الفرات، ممن آمنوا برسالتهم واستقلال مهمتهم عن كل سلطة وكل تأثير، فرفضوا أن يخضعوا لأية سلطة، أو أي مؤثر، فأدوا رسالتهم مؤمنين أوفياء.

وقد كانت الحقبة الأولى في تاريخ الإسلام، هي الحقبة التي امتازت بطهارة الضمائر وصفاوة القلوب، وبانسياب مبادئ الإسلام فيها إلى الحياة العامة انسيابا رقراقا حيا متوثبا، كما امتازت بميزة كانت من أمجد الميزات وأروعها، هي هذه الحرارة الملتهبة من الإيمان الرقراق الصافي الحلو الذي كانت تفيض به أنفس المسؤولين وماسكي قيادة الأمور بين أيديهم في ذلك العصر في مسحة من التواضع والتفهم والحياة، فتم بينهم وبين جميع طبقات الشعب المحكومة نوع من التفاهم، وروح الاستجابة الواعية، والانسجام الحي عز أن تحقق مثله في تاريخ الإسلام بين الحاكمين والمحكومين.

وقد ظلت الشعوب الإسلامية منذ ذلك العصر حينما ملأت طهارة المبادئ أركان القلوب محتفظة في محيطها على ممر العصور بروح الإسلام ومبادئه في كثير من مميزاتها ومظاهر حركتها العامة في شؤون المجتمع العادية ومدارج حياته اليومية، فكنت لا تجد الجذور العميقة لهذه الروح، ورواسبها النقية، والأمثلة الرائعة الخالدة في النبل والطهارة والصفاء والتضحية والإيمان إلا في الأوساط العامة للشعب - على حين انحرف بجميع ذلك أرباب السياسة وذوو السلطة والنفوذ، إلا جزئيات نادرة تذكر محفوظة في التاريخ.

وهكذا تبلورت الروح الإسلامية (التحررية-والبنائية) في حياة الجماهير الشعبية بأبرز صورها، والتمعت في محيطها بحياة أفراد كانوا الأمثلة الحية فيما تصنع المبادئ، وتحقق من المعجزات في السمو والصفاء - كما انتفضت بفضلها هذه الشعوب انتفاضات واعية عبر التاريخ، كانت من أروع ما عرفت الإنسانية في كفاح العقيدة، وتفاني الوفاء، وبطولة الإيمان والإخلاص.

ظلال على الحياة الإسلامية:

ومع اطراد الحياة الإسلامية، وتفاعل ظروفها، مع الحياة نفسها، ومع آثار الاتجاه المعاكس الذي كانت تسير فيه السياسة الإسلامية، في ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت