فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 36
الأستاذ: الحسين وجاج، تارودانت
إن علماء النفس غير متحدين في إطلاق الغريزة على كلمة الخوف إطلاقا واضحا وصريحا، ففي الوقت الذي نرى البعض منهم يتحدث عن الخوف كعنصر وجداني ملازم للغريزة التي هي الهرب لديه بدل الخوف، بحيث لا يتكلم عن الخوف إلا باعتباره الحالة الوجدانية التي تصحب الهرب، نرى البعض الآخر يخالفه في الرأي فيطلق الغريزة على الخوف، معتبرا الهرب سلوكا يرمي إليه الخوف عند وجود المثير.
وأظن أن الرأي الأخير أوضح من الرأي الأول، لكون الخوف هو الناحية الوجدانية المسيطرة على نواحي الغريزة وقت الهرب، كما انه الموجود دائما عند ظهور المثير الخارجي، أما الهرب فقد لا يحصل في بعض الاحايين، ويقع ذلك حينما يتوجه سلوكنا من انفعال الخوف إلى الصراخ أو البكاء أو مجرد تغير أحوال الجسم، كإضراب القبل واصفرار الوجه وارتعاد الفرائص وغير ذلك.
وعلى كل فنحن نرى الإنسان ينفعل عند وجود بعض مثيرات الغرائز التي فطر عليها، فيغريه هذا الانفعال باتخاذ سلوك يظنه ملجأ ومنقذا من تيار الغريزة الجارفة، مثل غريزة الخوف التي تحتل المنزلة الثانية بين الغرائز، والتي هي أقواها وأشدها أثرا في حياة الإنسان، إذ هو يرغمه على توقي الضار ويدعوه على التخلص بكل وسيلة ممكنة من مواقف الخطر، على أن الخوف متأصل في الإنسان، يصحبه من أيام طفولته إلى أن يسلمه على القبر المخيف، وهو يتصادم مع الغرائز الأخرى كالغضب وحب الاستطلاع والميل الجنسي، فتمنعه من الظهور تماما، أو تكون على الأقل سببا في التردد.
ولقد أزالت هذه المدنية الحديثة التي يتمتع بها الإنسان في الوقت الحاضر كثيرا من أسباب الخوف التي كان الإنسان المتوحش يخاف منها من قبل، ولكنها أوجدت أسبابا أخرى يخاف منها المتمدن رغم ثقافته الواسعة وتضلعه في العلوم، فهو يخاف من الأمراض والميكروبات كما كان المتوحش يخاف من الرعد والبرق والكسوف والخسوف ونحوهما.
وعلى هذا فالخوف غريزة وراثية ملازمة للإنسان في مدنيته ووحشيته، يخاف على نفسه وعلى ملكه، ومن الأوهام التي يتخيلها كما يخاف من الفقر والصعلكة وكبر السن والموت، فهو عبد للخوف حتى يزور اللحد المنتظر.
وقد يصل الخوف مرتبة الوجل المميت، أو يرغم الإنسان على الجري السريع المؤذي بالحياة، فهو الغريزة الوحيدة التي لها السيطرة التامة في اثارة جميع الأجهزة الجسمية، وحمل الإنسان على القيام بما يعجز عن القيام به في أحواله العادية، فهو يؤثر في الإنسان من ناحيتين، إما أن يحمله على السكون والانزواء فتقل ضربات القلب، وإما أن يدعوه إلى الحركة والجري فتزداد، وفي تغلب كل ناحية على الأخرى ما لا تحمد عقباه من هلاك متوقع وموت محقق وكثيرا ما يفقد الإنسان شعوره عند انبعاث غريزة الخوف، فيعتريه جنون أو مرض عصبي، يجعله يخاف كل شيء مهما كان حقيرا غير ضار.
وتظهر آثار الخوف منذ عهد الطفولة الأولى، وأظن أن الذي يتمتع بلقب الأبوة يشاهد طفله وهو في الشهر الأول من حياته يرتعد نتيجة خوفه من بعض الأصوات المرتفعة، كما يرى بعينيه على طفله آثار الخوف من الوقوع إذا لم يحمل بعناية تامة.
ولكن هذا الخوف سرعان ما يزول بعد بضعة أسابيع، نظرا لما يشاهد على الطفل كذلك من حب شديد تعلوه رغبة ملحة في أن تتناوله الأيدي وتقذف به في الهواء ثم تتلقاه منطلقا من القيود الخوفية المتينة، أضف إلى هذا ما يتمتع به من جرأة فائقة وإقدام غريب بعد ما يكبر ويصبح قادرا على المشي، حينما يحب أن