فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 5287

دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص16

الضمانات التي يعطيها الإسلام للسلطة الإسلامية في البلاد

للأستاذ محمد الطنجي

من القواعد المسلمة أن العمران لا يزدهر إلا في ظلال الأمن، وأن الأمن وليد العدل الذي هو أساس الملك، إذ بقدر انتشار العدل يأمن الناس من وقوع المظالم في أنفسهم وفي أموالهم ومكاسبهم ومجهوداتهم، ومن أهم ما يصون مصالح الناس ويحفظ الأمن في البلاد القوانين العادلة ونزاهة المكلفين بتطبيقها من جهة، وتطبيقها عمليا على سبيل المساواة من غير ميز ولا محاباة، ومن جهة أخرى أن تكون هذه القوانين لها احترام وتقديس في نفوس من يتحاكمون إليها أو تطبق عليهم، ومن هنا يظهر أن القوانين الصالحة هي التي تكون لها ميزة المحافظة على العدالة وتكون مشتقة من تقاليد الأمة المحكومة بها وأعرافها الطيبة، لأن ذلك ضمان لاستقرارها.

والمقصود من هذا أن يكون كل من يتحاكم إلى تلك القوانين ومؤمنا بأنها حق وعدل حتى يكون عليه رقيب من ضميره يؤنبه ويردعه إذا حاول الخروج عن مبادئها أو العبث بما تفرضه من أحكام خاصة عليه حتى يؤدي لكل ذي حق حقه.

وهذه القوانين التي يجب احترامها وطاعتها في النفوس قد يكون متعلقها حقوق الأفراد الخاصة، وقد يكون متعلقها الأمة العامة.

وقد كان الرسول عليه السلام يحاول أن يغرس في قلوب أمته وأتباعه احترام الأحكام، وأن يجعلوا محكمة الضمير هي المحكمة العليا بحيث إذا كان ما في واقع الأمر مخالفا لظاهر الحكم فإن الحكم الظاهر لا يعفي المحكوم له من المسؤولية والعقاب الأخروي، وهذا ما يشير له الحديث الصحيح وهو قول النبي عليه السلام: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض -أي أفصح بها وأعرف- فأقضى له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار) .

أما ما يتعلق في القوانين بحقوق الأمة العامة فهو في المغرب من القضايا التي تحتاج إلى تظافر الجهود لتسويتها تعود بالخير العميم على المغاربة جميعا. إذ لا يخفى أن احتكاك المغرب بالأجانب طيلة نصف قرن أوجد اتجاها خاصا نحو الغربيين وأنظمتهم، كما أوجد شبابا مقتنعين بصلاحية تلك الأنظمة سواء كانت تتعلق بالحقوق الفردية الخاصة أو بالحقوق المجموعة العامة، لأنهم درسوا في مدارس عصرية لها تلك الثقافة الخاصة وطابعها الخاص.

ولا يخفى أن المغرب كان فيه نظام إسلامي ساد قرونا وقرونا، ولازال يحمل عناصر الصلاحية والاستقرار التي حفظت المغرب من الاضطراب أحقابا كثيرة من الزمن، وللنظام الإسلامي علماؤه وثقافته ومميزاته الخاصة، ومن أهم المميزات التي ينفرد بها إلى جانب صلاحيته التامة طابع الاحترام والتقديس في نفوس المؤمنين.

وعليه فتباين الثقافتين السالفتين يوجب من غير شك تباينا في الاتجاه يناسب ما بين النظام الإسلامي الشرقي والنظام الأوربي الغربي من تفاوت، ولكن بما أن العهد جديد وسعيد، والكل يسعى فيه لمصلحة الوطن ولازدهاره، ولاستقرار الأحوال فيه، فمن المفيد أن يقع تبادل الأفكار حول هذا لتتوحد الوجهة بقدر الإمكان، ومن المفيد أن يسمع الشباب المثقف ثقافة عصرية الصلات التي تربط بين الحاكم والمحكوم في نظر الإسلام، وأن يتمعن في الوصايا والأوامر الخاصة بالراعي ونوابه من جهة، والرعية من جهة أخرى، ويزن العلاقة المقدسة التي ربط بها الشارع الحكيم العهود التي بين الراعي ورعاياه وبينهما وبين الله، حيث اكتسبت بذلك كل هذه العلاقات مكانة وقوة مبنية على العقيدة والدين والعهود المتبادلة بين الجميع. ولا يمكن أن توجد هذه المكانة والقوة بين أي نظام من الأنظمة الوضعية غير السماوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت