فهرس الكتاب

الصفحة 3564 من 5287

دعوة الحق، س.5، ع1 /أكتوبر 1961 ص 2

للدكتور تقي الدين الهلالي

هذا موضوع مهم جدا وواسع يحتاج بيانه بالتفصيل إلى تأليف كتاب مستقل، ولكن نجمل الكلام فيه إجمالا حسبما يسمح به المقام، فنقول ... إن كل شعب يريد أن يعيش سعيدا يحتاج إلى أمور، ... أولها القوة الروحية وهي تتوقف على الدين يملأ قلوب أبناء الشعب إيمانا وحماسة ويؤلف بينهم ويكون العروة الوثقى التي لا تنفصم. ومن أراد أن يرى بعينه شاهدا على ذلك فلينظر إلى العرب قبل الإسلام وبعده. أما حالهم قبل الإسلام فكل من له أدنى إلمام بالتاريخ يعرفها حق المعرفة. ومن لم يكن له إلمام بالتاريخ ففي القرآن الذي هو كتاب متواتر، لا يشك في تواتره أحد لا موافق ولا مخالف. فيرى فيه أن العرب كانوا يقتلون أولادهم بسبب الفقر، وكانوا يئدون بناتهم لأسباب سخيفة وكانوا لا يورثون الإناث ولا الصبيان، لأنهم كانوا يحصرون امتلاك الأموال في من يحمل السلاح ويقاتل، لأن العاجز عن ذلك كالنساء والصبيان لا يستطيع أن يدافع عن المال ويصد عنه غارات المغيرين المتوالية، إذ كان يجب على كل من يملك شيئا أن يقاتل عنه، ضرورة أنه لم يكن لهم قانون ولا دولة ولا نظام ولا وازع ديني يكفهم عن سلب الأموال والأرواح، بل كانوا يرثون النساء زيادة على عدم توريثهن، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا.) [النساء: 19] وكانوا يعضلون النساء ويمنعونهن من الزواج لأغراض خسيسة فنهاهم الله عن ذلك في مواضع من كتابه. وإنما ذكرنا بعض أخلاقهم قبل الإسلام ليعلم من لا يعلم فضل الإسلام الصحيح عليهم وعلى كل من دان به من غيرهم. وأما حالهم بعد الإسلام فهي أوضح وأظهر من شمس الضحى يوم الصحو. فما الذي غير حالهم من التشتت إلى الاجتماع، ومن التخاذل إلى التعاون، ومن الجهل إلى الحلم، ومن الذل إلى العز، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الخوف إلى الأمن ومن الضعة إلى الرفعة والسيادة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الخمول إلى الظهور، ومن الفوضى إلى النظام، ومن تلك البقعة القاحلة الجرداء، إلى الأراضي المخصبة، والجنات المثمرة، والأنهار المطردة، والأزهار الجميلة، ومن البيوت الحقيرة، إلى القصور الشامخة في آسيا وأروبة وإفريقية. وكيف صارت الدول التي كانت قبل إسلامهم هي الصالحة للبقاء لا تصلح إلا للفناء؟ الجواب أن علماء التاريخ وعلماء العمران وعلماء تطور الأمم قد اتفقوا على أمر وهو أن العرب بعد إسلامهم صاروا أقوياء أغنياء سعداء متمدنين ذوي دولة ونظام، ثم اختلفوا. فالعقلاء المؤمنون بالله قالوا أن السبب المباشر في ارتفاعهم من حضيض الهمجية إلى سماء المدنية الفضلى هو الدين. وأما الذين لا يؤمنون بالله وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون فقد اعتقدوا ان القرآن ودعوة محمد صلى الله عليه وسلم نفخ فيهم روح الحياة، وهذه الروح جعلتهم يتعلمون العلوم من الأمم المغلوبة التي اندثرت مدنيتها وقد نسي هؤلاء أو تناسوا القاعدة العظيمة وهي أن فاقد الشيء لا يعطيه.

وهذا القرآن وهذه الدعوة المحمدية ليسا من الأشياء التي كانت فبانت، كما يتوهم الجاهلون. وليسا من الفصائل الحيوانية والنباتية التي انقرضت وحلت محلها فصائل أخرى ولن تعود إلى الوجود أبدا كما يريد الاستعمار القديم والجديد (رحم الله الملك الراحل محمد الخامس الذي أنشأ هذه العبارة) أن يعلمنا، بل هما قوة باقية خالدة لا تزول ولا تحول. ولك أن تطلب الدليل البارز المشاهد، وعلى أن أدلي به فأقول ... كيف نشأت الدولة العثمانية، ومن أين استمدت قوتها؟ أمن هولاكو وتيمورلنك وجنكيزخان؟ لا والله فان هؤلاء كانوا غزاة متوحشين، والتاريخ أصدق شاهد وإنما استمدت قوتها ووجودها وصارت أمبراطورية عظيمة استولت على آسية وقسم كبير من أوربة وإفريقية من الإسلام. ودونك شاهدا غير بعيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت