فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.5، ع1 /نونبر1961 ص 33
للأستاذ محمد السرغيني
الحضارة فعل إنساني يقوم على مختلف ما يبديه الإنسان من نشاط ثقافي. فالثقافة بمختلف فروعها، هي مجموع الحضارة، فهي التي تحيل النظريات المجردة إلى واقع يلمسه التاريخ حين يتناول الحضارة بالدروس: النظريات الهندسية تتحول إلى جسور ومشاريع، والنظريات الفلسفية تتحول إلى نظم وقوانين تعطي المعنى الحقيقي لحرية البشر وسلوكهم، والنظريات العلمية تتحول إلى مخترعات، وهكذا. هذه التطبيقات الناشئة عن النظريات، يتناولها المؤرخ لحضارة ما، على أساس أنها وثيقة تشهد بالدور الذي لعبته هذه الحضارة في إطار الحضارة الإنسانية الشاملة. وإذن، فالثقافة عنصر هام في بناء الحضارة بشكليها: العام والخاص.
والواقع أنه منذ بدء التاريخ، والحضارات تتعاور عليها الأمم المختلفة: حضارة الصين، حضارة مصر القديمة، حضارة اليونان، حضارة الرومان، حضارة العرب، حضارة العالم المتمدن. وما دامت الحضارة فعل إنساني، فهي حق مشاع بين جميع الشعوب والأمم، وعلى هذا الأساس، لا نستطيع أن نحكم بجزم أن هذا الشعب دون المستوى الحضاري للآخر، فهذا شيء لم يحدث مطلقا في التاريخ، إذا أن كل شعوب الأرض ساهمت على قدر إمكانياتها في التنمية الحضارية العامة. والذي حدث أن شعبا سبق آخر في هذا العمل، وحينما اضمحلت حضارته، سلمها بطواعية وبتلقائية للآخر، حيث أضاف إليها الكثير وطبعها بخصوصياته.
ويمكن أن نجد بعض الشعوب الملونة قد تأخرت عن أن تسهم في بناء الحضارة، وذلك يرجع إلى ظروف تاريخية قاسية، عاشتها هذه الشعوب، هذه الظروف عاقت ذكائها ومفاهيمها للحضارة عن التفتح. والآن، وبعدما أتيح لها الانطلاق، فإنها لم تتقاعس عن تحمل دورها في معركة البناء.
والعرب كغيرهم قد أسهموا في بناء الحضارة الإنسانية، وكان هذا الإسهام محل نقاش عنيف بين كثير من الأجانب الذين كتبوا عن هذه الحضارة، فهناك من يحاول إثبات حضارة إسلامية، لأن مختلف الأقليات التي انصهرت في الأكثرية العربية، حملت معها مفاهيمها الحضارية، وإمكانياتها الذكائية، وأفرغتها في القالب العام للتاريخ الإسلامي، هذا الفرق أكثره من المستشرقين، فبعضهم اقتنع بالفكرة لإيغاله في مسيحية متعصبة (1) وبعضهم الآخر، أخذ بنفس الفكرة، ليسير في دراسته على مقتضى منهاج، وذلك أن الحضارة الإسلامية متشابكة في مظهرها الفارسي والعربي والرومي والتركي، فهناك كثير من المؤلفين القدامى تركوا تراثا ازدواجيا، أي أنهم كتبوا بالعربية وبلغتهم الأصلية، كالخيام صاحب الرباعيات مثلا. وهناك مسائل معقدة في الحضارة الإسلامية، لا يمكن أن تدرس إلا عند شعبين، فنحن عند دراستنا للصوفية، لابد أن ندرسها في وجهها الفارسي والعربي، بل والتركي أحيانا، إذا أردنا دراسة صوفي كجلال الدين الرومي. وهناك قضية التاريخ العثماني الذي كتب باللغتين: العربية والتركية، إذ أن بعض متقدمي مؤرخي الدولة العثمانية من الأتراك، كتبوا تاريخ دولتهم بلغتين، وخصوصا أولئك الذين تأثروا بمقدمة ابن خلدون: كحاجي خليفة 1609 - 1657. صاحب كشف الظنون. وهناك مثلا التراث الفلسفي العربي، الذي بقي بين أيدي (الموريسك) حال سقوط الحضارة الإسلامية في الأندلس، هذا التراث ترجمه اليهود إلى العبرية، خوفا عليه من اسبانيا المسيحية، عدوة الفكر
(1) كالمستشرق الأب لامانس.